وذكر الثالثة وهو أنه أراد أن يزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بابنته الأخرى عزة بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فقال:"إن ذلك لا يحل لي".
والمقصود منه أن معاوية كان من جملة الكتاب بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذين يكتبون الوحي.
11 -وروى الإمام أحمد، ومسلم، والحاكم في مستدركه من طريق أبي عوانة _ الوضاح بن عبد الله اليشكري. عن أبي حمزة عمران بن أبي عطاء، عن ابن عباس. قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي، فاختبأت على باب فجاءني فخطأني خطأت أو خطأتين، ثم قال:"اذهب فادع لي معاوية- وكان يكتب الوحي - قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل: إنه يأكل فأخبرته؛ فقال في الثالثة: لا أشبع الله بطنه"قال: فما شبع بعدها؛ وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرًا، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئًا كثيرًا ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.
12 -وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة. أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:"اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه - وليس لذلك أهلًا - فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة."
فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية [1] .
من خطبته
13 -عن عُبادة بن نُسَيّ، قال: خطب معاوية، فقال: إني من زرعٍ قد استحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى ملِلتُكم ومللتموني، ولا يأتيكم بعدي خير مني، كما أن من كان قبلي خير مني. اللهم قد أحببت لقاءك فأحبَّ لقائي [2] .
(1) ابن كثير في البداية والنهاية (8: 119 - 120) .
(2) أنساب الأشراف (4: 44) ، والأمالي للقالي (2: 311) ، وتاريخ الإسلام (2: 323) ، وسير أعلام النبلاء (3: 159) ، والبداية لابن كثير (8: 141) .