الصفحة 35 من 70

وزن لمن يقول بغير ذلك أو يعارضه، لأن معارضته مغالطة واضحة وبهتان عظيم، وإذا كان أصحاب هذه الشبهة يزعمون أن القرآن المجيد قد فصل كل شيء، وبين كل صغيرة وكبيرة في الدين؛ فلنحتكم وإياهم إلى عماد الدين الصلاة؛ أين في القرآن الكريم عدد الصلوات، ووقت كل صلاة ابتداء وانتهاء، وعدد ركعات كل صلاة، والسجدات في كل ركعة، وهيئاتها، وأركانها، وما يقرأ فيها، وواجباتها، وسننها، ونواقضها، إلى غير ذلك من أحكام لا يمكن أن تقام الصلاة بدونها؟ ومثل ذلك يقال في أحكام العبادات كافة، إن القرآن العظيم قد ورد فيه الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فأين نجد منه الأنواع التي تخرج منها الزكاة، ومقدار كل نوع، وأين نجد أحكام الصيام؟ وأين نجد مناسك الحج؟ إن الله سبحانه قد وكل بيان ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمالذي لا ينطق عن الهوى، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم

فقال [1] : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، ولم يقل: كما تجدون في القرآن، لأن القرآن قد خلا من تفصيل الأحكام وبيانها.

ولعل من حكمة الله سبحانه في ترك التفاصيل والبيان لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ أن تفصيل الأحكام وبيان جزئياتها، وتوضيح دقائقها، إنما يكون بالطريق العملي أولى وأجدى، ولو أن الأحكام فصلت قولًا نظريًا، لما استغنت عن بيان عملي واقعي.

ولعله من الحكمة وراء ذلك أيضًا بيان ما لرسول الله صلى الله عليه وسلممن منزلة سامية لا يشاركه فيها غيره، ومكانة رفيعة عالية لا يرقى إليها سواه، وذلك بإسناد الله تعالى تفصيل الأحكام وبيانها إليه صلى الله عليه وسلم، إذ لو كان كل شيء مفصلًا مبينًا لكان رسول الله صلى الله عليه وسلممثل غيره من الناس مطبقًا لما هو قائم فعلًا، لكنَّ الله - عز وجل - اختصه صلى الله عليه وسلمبتفصيل الأحكام وبيان مجمل القرآن تكريمًا لشأنه وإعلاء لمنزلته، وليس ذلك أمرًا قائمًا بذاته، بل هو مبني على ما سبق أن بيناه من حِكَم.

أما هؤلاء الذين أثاروا هذه الشبهة فقد ارتكبوا عددًا من الأخطاء، أول هذه الأخطاء أنهم لم يحاولوا أن يفهموا الموضوع في إطار القرآن الكريم كله، وإنما أخذوا آية واحدة أو آيات وركزوا كلامهم فيها، وبنوا مذهبهم الفاسد عليها، وتركوا القرآن المجيد كله بما فيه من آيات واضحات تتصل بالموضوع اتصالًا مباشرًا، ومن هنا فقد حملوا الآيات التي اختاروها ما لا تحتمل، ووجهوا معناها الوجهات الخطأ التي أرادوها هم، وليس التي تنطق بها الآيات، ومن البدهيات التي يعلمها عامة الناس بله العلماء أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأن آياته إنما يفهم بعضها في إطار البعض الآخر، وأن تفسير بعض الآيات بعيدًا عن بقية الكتاب الكريم قد يكون خطأ يؤدي إلى محظورين خطيرين؛

الأول: عدم فهم المراد من الآيات فهمًا صحيحًا.

(1) (صحيح) : البخارى 631، مسلم 674، أبو داود 589، الترمذى 205، النسائى 634، ابن ماجة 979، أحمد15171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت