فهرس الكتاب
ثم أكدوا طلبهم وقرنوه ببعض الأعذار المغرية والتطمينات فقالوا: {أرسلهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي: يرعى معنا الغنم ، بل ويلعب أيضا ؛ لأن الصغار دائما يحبون اللعب ، ولا تخف فنحن سنحفظه من اللصوص ومن الذئاب لأننا عصبة كثيرون.
فقال ، عليه السلام: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} أجد وحشة والله على هذا الابن أن يذهب من بيتي ، (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) لما كانوا قالوا في الأخير: {أَكَلَهُ الذِّئْبُ} لأن هذا ليس في أذهانهم منذ البداية ، فهو ، عليه السلام ، قد سهل لهم العذر والمكيدة.
فخرجوا به، فلما أصبحوا في الصحراء ، والغنم ترتع وتأكل وهم يلعبون ، والجو ساكن وهادئ ، والطيور تغرد وتزغرد ، والنسيم يعل وينهل على الأعشاب ، ولكن القلوب تغلي بالحقد على الأخ الحبيب القريب والصغير .
فأخذوه ، وقيدوه بحبل ، وأنزلوه في البئر .
فأخذ يستغيث ويظن أنهم يمزحون ، وقد خيروه بين القتل وبين أن يلقى في البئر .
كفى بك داءان ترى الموت شافيا *** وحسب المنايا أن يكن امانيا
تمنيتها لما تمنيت أن ترى *** صديقا فأعيا أو عدوا مداجيا
فأنزلوه ، وهو يتشبث بالحبل ، ويبكي .
قال ابن عباس ، وهو يبكي ، حينما قرأ سورة يوسف: هدأت الحيتان في البحر من التسبيح ، ولم يهدأ يوسف ، عليه السلام ، من التسبيح.
فلما نزل في قعر البئر ، قطعوا الحبل ، فبقي في حفظ الله ، وفي رعاية الله .
وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نم فالحوادث كلهن أمان
قطعوا الحبل ، وتركوه في البئر ، وهو يلهج بذكر الله في الصحراء ، وحيدا ليس معه إلا الله .
الذئاب حوله ، والجو مكفهر ، لا خبز ولا ماء ولا طعام ، ولا أهل ولا جيران ولا أحبة ولا مؤنس يؤنس ، وإنما الذئب يعوي في صحراء مدوية.
عوى الذئب استأنست بالذئب إذ عوى *** وصوت إنسان فكدت أطير
وإخوته بفعلهم هذا قد أخطأوا في ثلاث مواطن: