فهرس الكتاب
كما هو الشأن في بعض الرجال الذي ينوه بأمره الغربيون, وتجده مكبا طول حياته على مادة ليبرز فيها, وقد تكون مما يعلمه العاديون من الناس اليوم, أو لا يكون لذلك الأمر أية علاقة بمكونات شخصيات الرجال؛ بل بما يحطمها, إلا أنهم قوم انقلبت عندهم المعايير, وتلطخ منظارهم بالهوى والتشهي؛ لا الحق والتهدي. أما ذاك فهو قائد للأبد, وهاد للبشر, والقائد له مؤهلاته, والهادي له مواصفاته.
وقد اجتمعت في شخصيته صلى الله عليه وسلم مؤهلات من أقواها: الاختيار, والإعداد, والإرسال, والإمداد من الله تعالى.
فإنه المختار الذي اختاره الله من خير نسب بني آدم؛ من صميم سلالة إبراهيم, الذي جعل الله في ذريته والنبوة والكتاب, فلم يأت نبي بعد إبراهيم إلا من ذريته, وجعل له ابنين إسماعيل, وإسحاق, وذكر في التوراة هذا وهذا.
وبشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل, ولم يكن في ولد إسماعيل من ظهرت فيما بشرت به النبوات غيره, ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث فيهم رسولا منهم, ثم من قريش, صفوة بني إبراهيم, ثم من بني هاشم صفوة قريش, ومن مكة أم القرى, وبلد البيت الذي بناه إبراهيم, ودعا الناس إلى حجه, ولم يزل محجوجا من عهد إبراهيم, مذكورا في كتب الأنبياء بأحسن وصف.
وكان صلى الله عليه أكمل الناس تربية ونشأة, أدبه ربه فأحسن تأديبه, فلم يزل معروفا بالصدق والبر والعدل, ومكارم الأخلاق, وترك الفواحش والظلم, وكل وصف مذموم, مشهودا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة, وممن آمن به وممن كفر بعد النبوة, لا يعرف له شيء يعاب به, لا في أقواله, ولا في أفعاله, ولا في أخلاقه, ولا جرب عليه كذبة قط, ولا ظلم, ولا فاحشة, وكان خلقه وصورته من أكمل الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله.
والنظر في سيرته وصفاته, لا يبقي أدنى شك عند كل عاقل, في كونه هو المؤهل لأن يكون قائد البشرية نحو فلاحها وصلاحها للأبد.