فهرس الكتاب
فالخصائص التي اجتمعت في شخصيته كثيرة, الواحدة منها كافية في صنع الرجال الذين يملئون التاريخ.
فلو أنه - على قولهم إن القرآن من وضعه وليس وحيا من الله - جلس طول حياته ليضع هذا الكتاب الذي عجز جميع الإنس والجن عن الإتيان بأقصر سورة فيه, مع أنه لا يقرأ ولا يكتب.
هذا وحده لو فعله لكان عديم النظير.
وهو - على قولهم إنه مقاتل قائد جيش - لو قضى حياته كلها في حشد الجموع, وإرسال الجيوش؛ لتطهير جزيرة العرب من الوثنية الجاهلية, وتحريرها من نظام التمزق والقهر والغلبة, مع أنه ليس بيده ولا بيد آباءه ملك قومه؛ لتتحد تحت لا إله إلا الله محمد رسول لكان شيئا معجزا.
ولو أنه اكتفى طول حياته بتربية هؤلاء الرجال الذين كانوا قد تضلعوا من الجاهلية, واجتثاث الرواسب الجاهلية من نفوسهم؛ ليحل محلها هذه التعاليم العالية التي فعلت بهم أئمة وقادة للناس؛ لكفاه ذلك.
ولو أنه أنفق حياته كلها في الدعوة إلى دينه, وإقناع الناس ليتركوا الأديان الأخرى ويدخلوا في دينه, وكل ما يتطلبه ذلك من قوة الحجج, والسلامة من التناقض, ومواجهة من يعاديه من أهل الكتاب والمنافقين والمجوس والصائبة والوثنيين وغيرهم, بالأدلة والحجج التي تقف في وجوههم. حتى انتصر عليهم دينه, ونال من الانتشار ما لم يسبق له مثيل, وتبعه من الناس من كل جنس وصنف من لا يحصيهم إلا الله, وقبلوا دعوته بقناعة ورضا, وأحبوه أكثر من النفس والمال والأولاد, لو أنه أنفق حياته كلها ليتحقق له هذا لكان معجزا. كيف وإنما حققه في 23 سنة فحسب ؟
ولو أنه سعى طول حياته ليقيم دولة أو ملكا يحاذي دولة وملك الروم والفارس لكفاه ذكرا أن يتحقق له ذلك, كيف وقد قام له دولة ذاب فيها تلك الدول بما فيها, ولم يكن في يده في يوم من الأيام من القوة والأعداد ما يقارب قوة تلك الدول وأعدادها, ومع ذلك قد حصل ذلك كما كان قد وعد به أتباعه.