الصفحة 28 من 64

ولو أنه مكث طول حياته في إلقاء التعليمات والتوجيهات التربوية العالية إلى البشر؛ لينتفعوا بها في استقامة حياتهم لكفى ذلك في كونه مربيا وحكيما لا يعرف له نظير.

ولو أنه بقي مدة حياته مع أهله في عيشه السعيد معهم, المليء بالتعليمات التي تطيب بها الحياة.

وما كان عليه معهم من لطف ورحمة وحب وحنان وعدل وبر وخير وصلاح و و, لكان كافيا ليكون الوالد والزوج الذي يقتضى به.

ولو أنه بقي طول حياته في عبادته لربه, والزهد والصلاح وقراءة القرآن والبكاء من خشية ربه؛ لكفى ليكون إمام العباد والصالحين.

كيف وقد اجتمع ذلك وأكثر في شخصيته صلى الله عليه وسلم ؟

أن يكون صاحب دعوة شاملة مبرهنة بالحجج القاطعة, والأدلة الساطعة, مقرونة بالتحدي والإعجاز؛ لقصم ظهور الملحدين, وقطع طمع المبطلين, ولأنها دعوة من شأنها معايشة الظروف, ومناسبة العصور, ومخاطبة الصنوف.

ودعوة كهذه لا تقوم إلا على أساس النبوة, والأمر كذلك فإن الرجل خاتم النبيين, قد أرسله الله إلى الناس كافة, وهذه النبوة ليست مجرد ادعاء عار عن الحق وتبعه عليه الناس,

لا وكلا !!!

الأمر ليس بهذا الهون, لأن الرجل كان أميا من قوم أميين, لا يعرف, لا هو, ولا هم, ما يعرفه أهل الكتاب, التوراة والإنجيل, ولم يقرأ شيئا عن علوم الناس, ولا جالس أهلها, ولم يدع نبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة, فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها, وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره, وأخبرنا بأمر, لم يكن في بلده وقومه, من يعرف مثله, ولم بعرف قبله ولا بعده, ولا في مصر من الأمصار, ولا في عصر من الأعصار, من أتى بمثل ما أتى به, ولا من ظهر كظهوره, ولا من أتى من آيات بمثل ما أتى به, ولا من دعا إلى شريعة أكمل من شريعته.

والذين اتبعوه, لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة, فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم, ولا جهات يوليهم إياها, ولا كان له سيف, بل كان السيف والمال والجاه مع أعدائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت