الصفحة 29 من 64

وقد آذوا أتباعه بأنواع الأذى, وهم صابرون محتبسون, لا يرتدون عن دينهم لما خالط قلوبهم من حلاوة الإيمان والمعرفة.

وهو صلى الله عليه وسلم - مع ظهور أمره وطاعة الخلق له وتقديمهم له على الأنفس والأموال - مات ولم يخلف درهما ولا دينارا ولا شاة ولا بعيرا له إلا بغلته وسلاحه, ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير, ابتاعها لأهله.

وكان بيده عقار ينفق منه على أهله, والباقي يصرفه في مصالح المسلمين, فحكم بأنه لا يورث, ولا يأخذ ورثته شيئا من ذلك.

وهو في كل وقت, يظهر على يديه من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه ويخبرهم بخبر ما كان وما يكون, ويأمرهم بالمعروف, وينهاهم عن المنكر, ويحل لهم الطيبات, ويحرم عليهم الخبائث, ويشرع الشريعة شيئا بعد شيء, حتى أكمل الله دينه الذي بعث به, وجاءت شريعته أكمل شريعة, لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به, ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه, لم يأمر بشيء فقيل: ليته لم يأمر به, ولا نهى عن شيء فقيل: ليته لم ينه عنه, وأحل الطيبات, لم يحرم شيئا منها كما حرم في شرع غيره, وحرم الخبائث, لم يحل منها شيئا كما استحله غيره, وجمع محاسن ما عليه الأمم فلا يذكر في التوراة, والإنجيل, والزبور, نوع من الخبر عن الله وعن ملائكته وعن اليوم الآخر, إلا وقد جاء به على أكمل وجه؛ وأخبر بأشياء ليست في الكتب.

فليس في الكتب إيجاب لعدل, وقضاء بفضل, وندب إلى الفضائل, وترغيب في الحسنات, إلا وقد جاء به, وبما هو أحسن منه.

وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها, وعبادات غيره من الأمم, ظهر فضلها ورجحانها, وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع. (1)

(1) انظر الجواب الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت