فهرس الكتاب
وآيته الكبرى صارخة بصدقه, وقد تحدى بها الإنس والجان؛ مع كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب, فما أجاب لتحديه ألد أعداءه إلى الآن, وهم لو استطاعوا بيان كذبه لما ترددوا فيه ثانية, لكنهم لم يفعلوا, وإنما بقوا يصيحون ويقولون:"دعاية"!!! أ هم رجال ؟
? قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ? {الإسراء:88}
أخبر بهذا في أول أمره إذ كانت هذه الآية في سورة « سبحان » وهي مكية, صدرها بذكر الإسراء الذي كان بمكة باتفاق الناس.
وقد أخبر خبرا وأكده بالقسم عن جميع الثقلين, إنسهم وجنهم, أنهم إذا اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن, لا يأتون بمثله, بل يعجزون عن ذلك, وهذا فيه آيات لنبوته.
و إقدامه على هذا الخبر العظيم عن جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة, بأنهم لا يفعلون هذا بل يعجزون عنه, لا يفعله من يطلب الناس أن يصدقوه إلا وهو واثق بأن الأمر كذلك, إذ لو كان عنده شك في ذلك لجاز أن يظهر كذبه في هذا الخبر, فيفسد عليه ما قصده, وهذا لا يقدم عليه عاقل, مع اتفاق الأمم, المؤمن بمحمد والكافر به, على كمال عقله ومعرفته وخبرته إذ ساس العالم سياسة لم يسسهم أحد بمثلها.
ثم لم يكن تحديه في أمر يفوت بفوات أوانه, بل جعله في هذا القرآن المتلو المحفوظ إلى يوم القيامة, الذي يقرأ به في الصلوات, ويسمعه العام والخاص, والولي والعدو دليل على كمال ثقته بصدق هذا الخبر, وإلا لو كان شاكا في ذلك, لخاف أن يظهر كذبه عند خلق كثير, بل عند أكثر من اتبعه ومن عاداه, وهذا, لا يفعله من يقصد أن يصدقه الناس, فمن يقصد أن يصدقه الناس, لا يقول مثل هذا ويظهره هذا الإظهار, ويشيعه هذه الإشاعة, ويخلده هذا التخليد, إلا وهو جازم عند نفسه بصدقه.