فاليهودية التي كانت موجودة في الوقت, لم تصلح لصد هذا الفراغ؛ لأنها دين لا تعبه بضلال غير اليهود أو رشادهم, بل إن اليهود جعلوا منها رمزا للعنصرية والفوقية على سواهم, ويستغلون الجهل المطبق على العالم؛ لفرض تسلطهم على الناس واستعبادهم, وهذا ما زال ولا يزال هو دأبهم.
ودين الأمة الغضبية الذين انسلخوا من رضوان الله كانسلاخ الحية من قشرها، وباؤا بالغضب والخزي والهوان، وفارقوا أحكام التوراة ونبذوها وراء ظهورهم واشتروا بها القليل من الأثمان، فترحل عنهم التوفيق وقارنهم الخذلان واستبدلوا بولاية الله وملائكته ورسله وأوليائه ولاية الشيطان. (1)
فكيف يصد فراغا, أو يهدي ضلالا ؟
واليهود لم يكن لهم قوى منبثقة من دينهم تكنهم من سياسة الأرض بنظام عادل, وكل ما عندهم إنما هو امتصاص واستغلال قوة غيرهم, بالتملق والتطفل على الإمبراطورات المسيطرة على الناس, واستمالتها حتى تكون في صالح اليهود.
وأما النصرانية, فعلى الرغم من كونها دينا لبعض العرب في ذلك الوقت؛ إلا أنها لم تتصف بالشمولية والعالمية اتصافا ذاتيا, بل شموليتها - إن كانت - شيء أحدث فيها بعد موت عيسى عليه السلام, فإنه كان يخاطب برسالته قومه بني إسرائيل لا غيرهم.
وكذلك الحواريون بعده, لم يخرجوا بدعوته إلى الشعوب الأخرى؛ بل ظلت بينهم حينا من الدهر؛ إلى أن انضم إليهم رجل يدعى"بولس"فهو الذي أخرج النصرانية خارج بني إسرائيل, ولام الحواريين على إخفاءها فيما بينهم؛ جاهلا أو متجاهلا أنها دين جاء لشعب لا العالم.
(1) انظر هداية الحيارى في الرد على اليهود والنصارى لابن القيم الجوزي رحمه الله.