الصفحة 37 من 64

3)أن يكون الرجل معززا بالقوة المعنوية والمادية معا؛ لتقف بهما في وجوه كل مكابر معاند, يترصد لدعوته, ويروم قطع طريق الناس عنها, وتوفر إحدى هاتين القوتين مع تخلف الأخرى خلل وضعف.

وهذه النقطة يسيل لها لعاب البعض؛ لذا يحسن إماطة الغبش وإزاحة الغبار عنها.

فأقول: إن لله في كونه سننا لا تتبدل ولا تتخلف, ومنها أنه تعالى لحكمة بالغة قد جعل لكل شيء سببا وطريقا يؤتى إليه, فهو القادر على أن ينصر رسوله على كل من وقف لصد دعوته؛ دون أن يلجئه إلى الأسباب المادية أو المعنوية: ? ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ?

{ محمد:4} ولو كان الأمر كذلك لأخرجه عن العادة الجارية في الكون, وعن طبيعة البشرية, إلى الملكية, فيعتذر الناس بذلك عن الاقتداء به ونهج منهجه؛ لأنهم دون ذلك بمراحل.

لكنه القائل: ?إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي? {الكهف: 110}

وهو الذي قيل له ? ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ? {الفرقان: 7}

فيجيب: ? لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسول ? {الإسراء: 95} فإنه بشر وليس بملك, وأرسل إلى البشر لا إلى الملائكة.

ومن تلك السنن أن جعل لكل نبي عدوا من المجرمين: ?وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين? {الفرقان: 31} وهو عدو مجرم ينصب الصدود والعراقيل للحيلولة دون استجابة الناس لدعوته, فكان لزاما أن يأخذ بالأسباب المادية والمعنوية لتنحية هذا العدو وتأمين خطره, وإن أدى الأمر في بعض الأحيان - لا كلها - إلى إراقة الدماء, لأنها وإن كانت مفسدة من وجه, إلا أنها مفسدة اقتضى ارتكابها تحصيل مصلحة أكبر منها بكثير, وهي هداية الناس التي تحقق لهم الفلاح والسعادة وفي هذه وتلك.

ولا شك أن تحصيل مصلحة بارتكاب مفسدة دونها عقل وعدل, وكذلك درء مفسدة بتفويت مصلحة دونها عقل وعدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت