الصفحة 38 من 64

ولا يتوقف عاقل في قطع عضوه المتآكل إذا توقف عليه حياة وسلامة بقية الجسد, والقطع - وإن أراده القاطع - إلا أنه ليس مرادا لذاته, وإنما هو مراد لغيره, فلم يكن هناك أي تعارض بين هذا وهذا. القطع من حيث هو قطع ضرر, ولا بد منه لأنه الوسيلة, والقطع من حيث هو وقاية وسبب برء منفعة, وهي الغاية.

فإن من أقبح الجهل أن يقصر أحد نظره على لفظ:"قطع عضو"وكراهته إلى النفوس دون التعمق في نوعيته ونتائجه المترتبة عليه.

وكذلك الشدة في محل اللين حمق وخرق, واللين في محل الشدة ضعف وخور:

إذا قيل حلم قل فللحلم موضع

... ... ... ... وحلم الفتى في غير موضع جهل

وأصور لك ذلك بالتمثيل (1) : فالأمم المتحدة مثلا, يقولون إنها هيئة سلمية تسعى لاستقرار السلام بين الأمم, ولذا يحق له التدخل في بعض القضايا الجارية بين الشعوب للحيلولة دون تفاقم الأمر, والسعي لإعادة الأمن, فرسالتها سلمية بحتة, ولا يجرأ أي منا مثلا على وصفها بالشدة أو الإرهاب أو نحو ذلك من الأوصاف التي تتناقض وأهدافها السلمية, ولكن هل معنى ذلك أنها لا تستعمل القوة بحال من الأحوال, وإن توقف عليه تحقيق أهدافها السلمية ؟

وهل لا يلومها العقلاء إذا توقف عن استعمال القوة لوقف عدوان المعتدي على شعب من الشعوب؛ إذا استلزم وقفه ذلك ؟

وهل الضرر الناتج من ردع هذا الجاني شيء يذكر في جانب الأضرار التي ستلحق الشعوب إذا لم يكن ثمة قوة عادلة وحيادية تمنع من الاعتداء عليها: ? ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العلمين ? {البقرة: 251}

(1) هذا مجرد تمثيل وليس قياسا ل UN برسالة رسول الله, كلا وكلا, فرسالة محمد وحي ونور من الله, معصومة من الخطأ والجور, وأما UN فإنها هيئة أسست على آراء رجال, وهي تحت قبض ست دول متزاحمة على مصالحها, قد تجتمع على ما هو في صالحها, وليس من الضروري أن يكون في صالح بقية الدول المتفرجة؛ بل قد يكون على حسابها, وهو بالفعل كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت