فهرس الكتاب
وكل من تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عرف أن استعماله للقوة ليس لإكراه الناس على دينه قط: ? لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ? {البقرة:256}
وأنه إنما قاتل من قاتله وأما من هادنه فلم يقاتله مادام مقيما على هدنته لم ينقض عهده، بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له: ? فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ? {التوبة: 7}
ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم ، فلما حاربوه ونقضوا عهده - كعادتهم - وبدؤوه بالقتال قاتلهم لتأمين خطرهم.
وكذلك لما هادن قريشا عشر سنين لم يبدأهم بقتال حتى بدأوا هم بقتاله ونقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم أحد ويوم الخندق، ويوم بدر أيضًا هم جاءوا لقتاله ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم.
وإذا دققنا النظر في التوجيهات التي كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يمليها على جنوده, والغايات التي كانت نصب عينيه, أيقنا بأن المثل العليا والرغبة في هداية الناس كانت تمثل الروح المهيمنة على دعوته وجهاده.
وإن تخفيض الضرائب على سكان المناطق المفتوحة, وإبقاء الأملاك الشخصية والمحافظة على البنية الاقتصادية لها يدل على أنه كان تتحكم في مواقف هذا النبي روح الهداية والإعمار, لا الغواية والدمار.
ودراسة الواقع التاريخي لانتشار الإسلام تكشف عن حقيقة اعتناق الناس للإسلام منذ عصر السيرة, وأنه كان يتم في ظروف السلم بنطاق أوسع بكثير من ظروف القتال, فعدد من أسلم بعد الحديبية أضعاف عدد من أسلم قبل الصلح.
وقد استمر انتشار الإسلام بعد انحسار سلطانه العسكري والسياسي, وما زال يمتد في العصر الحديث ويدخل فيه الآلاف والآلاف من جميع قارات العالم, فلا شك إذًا في تهافت مقولة إن الإسلام انتشر بالسيف. (1)
(1) انظر السيرة النبوية الصحيحة: (1/337-343) بتصرف.