الصفحة 43 من 64

والذين يتشبثون بهذا الهُراء إنما ألجأهم إليه الهروب من القول بأن الاتساع الواسع, والفتوحات العظيمة التي حققها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بسرعتها فائقة, من آياته الدالة على صدق دعوته.

وأنت يكفيك أن تنظر إلى منبع هذا الدين الذي جاء به, وكيف ألف جزيرة العرب على افتراق قلوبها, وكثرة ضغائنها وتعاديها, وكيف ألفهم وجمع قاصيهم لدانيهم, وأزال تلك العداوات, وأحل الأخوة الإيمانية محلها.

ثم اندفعوا في أقطار الأرض يفتحونها قطرا قطرا, وفي مقدمة هذه الأقطار أُمَّةُ فارس والروم أقوى الأمم وأعظمها ملكا, وأوسعها نفوذا, وأشدها قوة, وأكثرها عددا وعدة, ففتحوهما وما وراءها بفضل دينهم, وقوة إيمانهم, ونصر الله ومعونته لهم, حتى وصل الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها.

فصار هذا يعد من آيات الله, وبراهين دينه, ومعجزات نبيه, وبهذا دخل الخلق فيه أفواجا ببصيرة وطمأنينة, لا بقهر وفتنة.

فإذا نظرت نظرة إجمالية إلى هذا الأمر عرفت أن هذا هو الحق الذي لا يقوم له الباطل مهما عظمت قوته وتعاظمت سطوته.

هذا يعرف ببداهة العقول, ولا يرتاب فيه منصف, وهو من الضروريات.

بخلاف ما يقوله طائفة من كتاب العصر الذين دفعهم جحدهم للحقائق إلى التفوه بمثل هذا.

فزعموا أن انتشار الإسلام وفتوحاته الخارقة للعادة مبني على أمور مادية محضة, وحللوها بمزاعمهم الخاطئة, لأنهم قد أهدروا تأثير الأمر الإلهي في الأمور, فراحوا يحللون كل ما يحدث بتحليلاتهم المادية البحتة, وهو غلط بلا شك, لأن المحلل لا يهتدي إلى الحق فيما يحلله إلا إذا شمل تحليله جميع جوانبه, أما أن يقصر نظره في جانب فقط, وإن رأى ما يخرج عنه لواه ليكون منه, فهذا ليس بتحليل منصف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت