الصفحة 44 من 64

وهم بصفتهم محللين, وإن لم يؤمنوا - أو يحبوا- بالتأثير الإلهي في الأمور, كان عليهم أن يضعوا هذا الجانب تحت الأشعة, بما أن من يحللون أمرهم هم يؤمنون به, ويعللون به جميع انجازاتهم, و ليس لهم أن يلغوا هذا الجانب نهائيا ليحصروا نظرهم في جانب آخر, ويحللوا الأمور بتحليلات مادية يكذب الواقع إمكانها, فهذا تضليل وليس بتحليل.

وهم يعللون انتشار وانتصار الإسلام بضعف دولة الكاسرة ودولة الرومان, وقوة المادة في العرب.

وهذا مجرد تصوره كاف في إبطاله. فأي قوة في العرب تؤهلهم لمقاومة أدنى حكومة من الحكومات في ذلك الوقت ؟ فضلا عن الحكومات الكبيرة الضخمة, فضلا عن مقاومة أضخم الأمم في وقتها على الإطلاق وأقواها وأعظمها عددا وعدة في وقت واحد, حتى مزقوا الجميع كل ممزق, وحلت محل أحكام هؤلاء الملوك الجبابرة أحكام القرآن والدين العادلة, التي قبلها وتلقاها بالقبول كل منصف مريد للحق.

فهل يمكن تفسير هذا الفتح المنتشر المتسع الأرجاء بتفوق العرب في الأمور المادية المحضة ؟

وإنما يتكلم بهذا من يريد القدح في الدين الإسلامي, أو راج عليه كلام الأعداء من معرفة للحقائق.

ثم بقاء هذا الدين على توالي النكبات, وتكالب الأعداء على محقه وإبطاله بالكلية, من آيات الإسلام, وأنه دين الله الحق, فلو ساعدته قوة كافية ترد عنه عداء العادين وطغيان الطاغين لم يبق على وجه الأرض دين سواه, ولقبله الخلق من غير إكراه ولا إلزام, لأنه دين الحق, ودين الفطرة, ودين الصلاح والإصلاح, ولكن تقصير أهله وضعفهم, وتفرقهم, وضغط أعدائهم عليهم هو الذي أوقف سيره, وصبر الأمر كما ترى.

وأغلق القوس لأرجع إلى الكلام عن رحمة هذا الرجل صلى الله عليه وسلم, فإنها كانت من أسرار تقبل الناس لدعوته, والتفافهم حوله, وحبهم العميق له: ?فبما رحمة من الله لنت لهم, ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ? {آل عمران: 159}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت