[نزول الله - سبحانه وتعالى -]
26 -وعنه أَنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ينزِل ربُنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إلى سماءِ الدُّنيا حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخِرِ يقول: من يدعوني فأَستجِيبُ له، من يسألني فأَعطيه، من يستغفِرُني فأَغْفِرُ له ) ). متفق عليه [1] .
(1) رواه البخاري كتاب التهجد (3/ 29) رقم: (1145) ، وكتاب الدعوات (11/ 128) رقم: (6321) ، وكتاب التوحيد (13/ 464) رقم: (7494) ، ومسلم كتاب صلاة المسافرين (1/ 521) رقم: (758) .
هذا الحديث فيه إثبات عدد من صفات الرب -جل وعلا- وأظهرها صفة النزول له -جل وعلا-والنزول لله -جل وعلا- نقول فيه ما نقول في الاستواء فالنزول معلوم أو غير مجهول والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب، والنزول نزول الرب -جل وعلا- إلى سماء الدنيا جاء في بعض الروايات أنه في نصف الليل الآخر، وجاء في بعضها في ثلث الليل الآخر كما في الرواية التي ساقها الإمام -رحمه الله- وجاء في بعض الروايات آخر كل ليلة بلا ثلث ولا نصف، وأهل العلم منهم من حمل هذا على الفضل والأفضل وإن الثلث الأخير آكد وابتداء النزول أو النزول يبدأ في نصف الليل الآخر، ومنهم من حملها على أن حساب نصف الليل غير حساب ثلث الليل الآخر فإذا قيل نصف الليل فهو حساب ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني مقسومًا على اثنين تضيفه إلى ساعة الغروب يعطيك نصف الليل، وأما ثلث الليل الآخر فيكون ما بين الغروب إلى الإشراق مأخوذ الثلث الآخر منه والوقت على هذين متقارب، وشيخ الإسلام -رحمه الله- لما قال هذا قال وهذا القول وجيه يعني أن حساب نصف الليل يكون غير حساب ثلث الليل، وعلى العموم الروايات نقول أنها متفقة في أن النزول يكون ثلث الليل الآخر وهو الأكثر رواية والأثبت، وكما ساق الإمام -رحمه الله- هنا أو في نصف الليل الآخر على اعتبار.
النزول في صفة الله -جل وعلا- لا نخوض فيه بأكثر مما جاء فيه النص فمن خاض فيه بذكر مسائل مثل قولهم هل يخلو منه العرش؟ أو لا يخلو منه العرش؟ وهل إذا نزل إلى سماء الدنيا يخلوا منه ما فوق السماء السابعة؟ وأشباه ذلك كل هذه مباحث باطلة لأنها مبنية على تشبيه النزول بنزول المخلوق، والله -جل وعلا- لا نعلم كيفية اتصافه بصفاته فهو سبحانه وتعالى أجل وأعظم من أن نعلم كيفية اتصافه بصفاته فإذن إثبات النزول إثبات صفة لا إثبات كيفية ولا نخوض بأكثر من ذلك، والأحاديث في النزول قريبة من التواتر من كثرتها، وقوله - صلى الله عليه وسلم - هنا: (( ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل فيقول هل من داع فأستجيب له، هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له ) )مُرَتبة الدعوة أولًا لأنها أعم والسؤال بعدها لأنه أخص والاستغفار الأخير؛ لأنه خاص الأخص لأن الداعي قد يكون عابدًا وقد يكون سائلًا وإجابة الداعي قد تكون إثابة الداعي بالثواب أو قد تكون إعطاء السائل ولذلك لما بدأ بالعام قال: (( هل من داع فأستجيب له ) )يدخل في ذلك أهل الصلاة وأهل تلاوة القرآن وأهل الذكر في آخر الليل فيعطيهم رب العالمين أجرهم بغير حساب، ثم السؤال (( هل من سائل فأعطيه ) )يعني من يسأل مسألة خاصة وهي بعض الدعاء ثم قال: (( هل من مستغفر ) )السؤال قد يكون سؤال دنيا أو سؤال استغفار يعني عام، ثم خصه بالاستغفار في آخرها. وهذا فيه كما ذكرت لك إثبات صفة الكلام لله -جل وعلا- (( هل من ) )هذا كلام للرب -جل وعلا- وفيه إثبات صفة المغفرة له سبحانه والإجابة والإعطاء وهذا فيه الرد على من أبطل فائدة الدعاء، وفائدة السؤال وفائدة الاستغفار، وفائدة العبادة في التأثير على القدر كما هو قول طائفة من الصوفية في زعمهم أن الأمور مقدرة ولا حاجة للدعاء لتحصيلها، وهذا باطل بل الأمور مقرونة في القدر وفي الكتاب السابق بأسبابها والدعاء والسؤال من جملة تلك الأسباب.