الصفحة 34 من 92

48 -وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: إن الله خلق لوحًا محفوظًا من درةٍ بيضاء، دفَّتاه من ياقوتةٍ حمراء، قلمه نورٌ، وكتابه نورٌ، عرضه ما بين السَّماء، والأرض ينظر فيه كلَّ يومٍ ثلاثمائةٍ وستين نظرة، ففي كلِّ نظرةٍ منها يخلقُ ويرزق ويُحيِي ويُميتُ ويَعِزُّ ويذِلُّ ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: - كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ - [الرحمن: 29] . رواه عبدالرزاق وابن المنذر والطبراني والحاكم [1] .

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- لما ذكر هذه الأحاديث وما في معناها، قال: [2] .

فهذا تقدير يومِيٌّ، والذي قبله تقدير حولِيٌّ، والذي قبله تقدير عُمرِيٌّ عند تعلُّقِ النفس به، والذي قبله كذلك عند أول تخليقِهِ وكونِهِ مضغةً، والذي قبله تقدير سابق على وجوده لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكلُّ واحدٍ من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق.

وفي ذلك دليلٌ على كمال علم الرَّبِّ وقدرته وحكمتِهِ، وزيادة تَعريِفِهِ ملائكته وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه.

ثم قال: فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجدَّ والاجتهاد.

ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال: ما كنت بأشد اجتهادَا مني الآن.

وقال أبوعثمانَ النَّهديُّ لسلمان: لأنا بأول هذا الأمر أشدُّ فرحًا منِّي بآخره.

(1) رواه عبدالرزاق وابن المنذر والحاكم والطبراني (12/ 72) رقم: (2511) ، من طريق زياد بن عبدالله عن ليث عن عبدالملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس مرفوعًا.

(2) "شفاء العليل" (1/ 61 - 74) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت