الصفحة 35 من 92

وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقةٌ وهيَّأَهُ ويسَّره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بعدها. [1] .

(1) هذه الأحاديث دلت على ما ذكره ابن القيم -رحمه الله- من تنوع التقدير، تقدير سابق عام، وتقدير عمري، وتقدير سنوي، وتقدير يومي، إلى آخره وهذه سبق الكلام عليها مفصلًا فيما مضى والمقصود منها أن قدر الله -جل وعلا- عام وإن كل شيء يحصل فهو بقدر الله حتى العجز والكيس يعني حتى ما تعجز عنه فهو بقدر وحتى ما تدركه وتعقله هو أيضًا بقدر لعموم قوله سبحانه: - إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ - ولعموم قوله: - وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا - وهذا التقدير العام والتقدير التفصيلي يدل على عموم مشيئته - جل جلاله - وعلى شمول قدرته، وأنه سبحانه على كل شيء قدير وهذا يجمع مراتب القدر الأربعة التي ذكرناها لكم مرتبة العلم الشامل لكل شيء السابق الأزلي الأول، مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ، كتب مقادير كل شيء سبحانه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه خلق كل شيء - جل جلاله - ولهذا عرف بعض أهل العلم القدر كما ذكرنا لكم بما يجمع تلك المراتب بقوله أن القدر هو علم الله الأول أو الأزلي المحيط بالأشياء وكتابته لها في اللوح المحفوظ وعموم قدرته -جل وعلا- وخلقه للأشياء وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. أو نحو ذلك مما يجمع المراتب الأربعة.

التفاصيل التي ذكرها ابن القيم أن بعضها تفصيل لبعض يعني أن ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ، هذا فيه كل شيء ثم يخصص إما بتخصيص الأفراد أو بتخصيص الزمان أو بتخصيص المكان فما قدر الله -جل وعلا- في السماء غير ما قدره في الأرض ذاك في كتاب خاص بالملائكة وهذا في كتاب خاص بأيدي ملائكة وما قدره الله -جل وعلا- لعموم خلقه المكلفين هذا شيء ما قدره الله -جل وعلا- وكتبه على عموم الناس شيء ثم ننزل درجة إلى خصوص فئة معينة ثم إلى أن تصل إلى فلان المعين، ثم إلى أن تصل إلى الجنين الذي في بطن أمه هذا من جهة الذات ثم من جهة الزمان الكلي يعني كل ما سيكون بعد خلق السماوات والأرض إلى أن تتبدل السماوات والأرض ثُم ثَم تقدير أقل تقدير سنوي، ثم تقدير يومي هذا بالنسبة لما يحدث في الملكوت، وهكذا المقصود أن ما في اللوح المحفوظ هذا لا يغادر شيئًا فيه كل شيء - وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ - كل شيء فيه سواء من جهة الأمكنة أو الأزمنة أو المخلوقات يعني المكلفين من الجن والإنس ثم تأتي تفاصيل، ذكرنا لكم أن ثم تقدير لا يتغير ولا يتبدل وثم تقدير يتغير يعني قد يتغير وقد يتبدل، أما الذي لا يتغير ولا يتبدل فهو العام الذي في اللوح المحفوظ أو التقدير العمري ونحو ذلك هذا العام هذا لا يتغير ولا يتبدل الشقاوة، السعادة معرفة الأحوال، الرزق، ما تؤول إليه أمر هذا المخلوق أما ما في صحف الملائكة فهو يقبل التبديل والتغيير وذلك لقوله: - يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ - ولقوله: (( من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) )وصلة الرحم منسأة للأثر مجلبة للرزق، وأيضًا صح عنه - أنه قال: (( إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) )هذا كله مما يحصل من التغيير فيما كتب في صحف الملائكة وهذا التغيير والعمل كله بقدر وهو موجود في الصحف لكن يكون عليه كذا له من الرزق كذا، وإن عمل سوءًا إن عمل كذا يحرم الرزق فيكون إذًا السبب والمسبب والنتيجة موجودة في ذلك فيمحوا الله -جل وعلا- من صحف الملائكة ما يشاء ويثبت فيها ما يشاء؛ لأن فيها كل شيء. كذلك في المسائل التي دلت عليها هذه الأحاديث أن التقدير في ليلة القدر التي قال الله -جل وعلا- فيها أنها ليلة مباركة وقال: - فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ - وقال: - إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - يعني ليلة التقدير السنوي وليلة القدر هذه في رمضان وليست هي ليلة النصف من شعبان والأحاديث التي فيها أن التقدير يكون في ليلة النصف من شعبان هذه فيها نكارة في متنها وضعف في أكثر أسانيدها فالتقدير يكون في رمضان في ليلة القدر المعروفة، سميت ليلة القدر لأنه يكون فيها التقدير وهذا التقدير تقديرسنوي يعني ما يحصل في السنة يكتب في صحف الملائكة من السنة إلى السنة صحف الملائكة يعني التي بأيدي المكلفين (( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) )منهم الحفظة ومنهم الملائكة الذين يكتبون الحسنات والسيئات ومنهم الملائكة الموكلون بابن آدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت