الصفحة 87 من 92

[الجدل سبب الضلال]

128 -وعن أَبي أُمامَةَ - رضي الله عنه - مرفوعًا: (( ما ضلَّ قومٌ بعدَ هدىً كانوا عليه إلاَّ أُوتوا الجدَلَ ) )ثُمَّ تلا قوله تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [سورة الزخرف: 8] رواه أحمد والترمذي وابن ماجه [1]

(1) رواه الترمذي كتاب التفسير (6/ 353) رقم: (3253) ، وابن ماجه المقدمة (1/ 19) رقم: (48) ، وأحمد (5/ 252، 256) ، والطبراني (8/ 333) رقم: (8067) ، والحاكم (2/ 447) كلهم من طريق حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة.

هذا حديث عظيم أيضًا يحتاجه طلاب العلم كثيرًا، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: (( ما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ) )ثم قرأ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} والعلم النافع يورث صاحبه السكينة والطمأنينة والجدل مذموم بخلاف المجادلة، المجادلة غير الجدل. الجدل في الشريعة مذموم وهو المناقشة والمحاورة والكلام فيما لا ينفع في الشريعة أو المقصود به التعالي وأصله مأخوذ من لف الحبل. جدل الحبل والشعر ونحو ذلك إذا أدخل بعضه في بعض يقال هذه جديلة، جديلة يعني مجدولة يعني أدخل بعضها في بعض ويسمى الحبل أيضًا جديل؛ لأنه مدخل بعضه في بعض ومحكم كذلك الكلام إذا تداخل هذا يورد كذا وهذا يُورد كذا يسمى مجادلة ويسمى جدلًا فإن كان المقصود منه الحق وليس الترفع المقصود منه إدراك الصواب. سميت المناقشات مجادلة ولهذا أوصى الله -جل وعلا- في القرآن بالمجادلة بالتي هي أحسن هي المحمودة قال -جل وعلا-: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقال -جل وعلا- أيضًا:

{وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فأصل المجادلة مأذون بها بآدابها وشروطها، أما الجدل فهو يشترك مع المجادلة في المعنى لكن في الشريعة جاء ذمه في قوله: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ} يعني ما يطلبون الحق ما ضربوه لك وجابوا المثال هذا لطلب الحق ولإيراد يريدون زوال الشبهة، وإنما جدل يعني الغرض فقط الكلام دون رغبة في الحق، ولا صيروره إليه إذا اتضح ولهذا قال-جل وعلا- بعدها: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} فقوله - صلى الله عليه وسلم: (( ما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ) )يعني أن الجدل صفة الضالين، وأن يتحاوروا ويتجادلوا في أمر لا ينفع أو في أمر مضرته عليهم ظاهرة، أو في أمر لم يؤذن لهم فيه في مسائل القدر مسائل الصفات فيما لم يؤذن لهم فيه. مثل مسائل الأفلاك ونحو ذلك وأشباه هذه المسائل فإذًا المباحث العلمية تكون لغرض معرفة الصواب معرفة الحق، أما الكلام الذي ليس لأجل معرفة الحق وإنما هو لمناظرات باطلة أو للترفع أو لإظهار ما عند المرء من القدرات، فهذه كلها مذمومة وهذا الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيانه هذا صار في هذه الأمة، وإنما نشأت الفرق الضالة من الجدل تجادلوا في مسائل الدليل فيها واضح ولو وقفوا على الدليل لكان خير لهم وأحسن تأويلًا، وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج على الصحابة يومًا وهم يتنازعون في القدر، فكأنما فقئ في وجهه -عليه الصلاة والسلام- حب الرمّان. ومرة خرج عليهم وهم يتنازعون في القرآن كل يورد آية على مراده، وهذا ضرب بالقرآن بعضه ببعض؛ لأن القرآن مؤتلف غير مختلف المحكم فيه واضح والمتشابه يرد فيه المحكم يعني ما اشتبه عليك يرد فيه إلى المحكم، والمسائل التي يكون فيها سبب للخلاف والاختلاف هذه قليلة، فغضب - صلى الله عليه وسلم -.

فالمقصود أن الجدل مذموم والمرء يتباحث مع إخوانه فيما ينفع أما إذا رأى أن المسألة توجهت للانتصار للنفس وهذه تراها أنت معك في جلساتك اليومية، تتباحث مع واحد تلحظ أنه اتجه النقاش لا إلى المسألة لكن إلى بيان أن قوله صواب، وهذا يدافع عن قوله وأنا أردت كذا وأنا لا كذا، وأنت فهذا المرء لا يعين الشيطان على نفسه ولا على أخيه؛ لأنه ربما يقول على الله بلا علم فيأثم فيسكت ولو علم أنه هو المصيب؛ لأن سكوته فيه إعانة له ولأخيه على الخير إذا كانت مجادلة في بحث علمي المراد منه الإيراد والفهم بدون انتصار للنفس أو تأويل للقول وهو يغلط أحيانا الإنسان وهو يتكلم يغلط ثم يبدأ يبرر غلطه يروح يجيب أشياء شرعية علشان يبرر غلطه وهو يعرف في داخل نفسه أنه مخطئ نسب شيئًا خطئًا أو أنه قال شيئًا خطئاَ، وهذا عرضه أنه كل واحد يقع فيها ثم يبدأ يبحث عن أشياء تدل له من الشريعة لا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أصلًا قال الكلمة الأولى غير متثبت منها. أو قالها غلط وحس أنه غلط ثم ما يرغب أنه يرجع وهذا نوع من الجدل المذموم، ولهذا يُحذر من أن المرء يتكبر عن الحق، فإن هذا من مواريث الجدل، ويسبب الضلال والعياذ بالله. أعاننا الله وإياكم على أنفسنا. المسألة تحتاج لها إعانة على النفس المناقشات والجدال والمباحثات تحتاج إلى تؤدة ولهذا ما أحسن كلمة الإمام مالك -رحمه الله- قيل له: الرجل تكون عنده السنة. أيجادل عليها؟ قال: لا يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت.

لأن السنة لها نور، وتقع في قلب المخاطب لا تظن أنك تضعف لا تقع في قلبه؛ لأن حجتك قوية إذا كانت الحجة قوية لو ما استسلم لك لكن هي تقع في قلبه أنه كانت حجتك قوية، النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كذا كيف هذه السنة. النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كذا. هي تقع في قلبه وتنفع ولو بعد حين.

سؤال: استدل البعض بقوله: {أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ} على من يهتم من الطلاب بالإجازات غيرها من العلوم ويترك مهمات العلم فهل هذا صحيح؟

الجواب: طبعًا يعني مثل العناية بالروايات والأسانيد اللي ما لها حاجة. هذا علم الحديث الذي لا يحتاج إليه، يروح يبحث عن الأسانيد ويروي بالإجازات ويروح شمال ويمين ويسافر وهو ما ختم كتاب التوحيد، ولا عرف يمكن ما حفظ القرآن جيدًا كيف تهتم بالأسانيد وشيخك فلان في سوريا وشيخك فلان في المغرب والثاني في الهند، والثالث هنا واللي في اليمن واللي في المملكة واللي في أي مكان هذه إذا كانت تشغل. تشغل عن العلم النافع فهي تترك، إنما إذا جاءت تبعًا فهذا مما اعتنى به العلماء والسلف لكن إذا كانت تشغل عن العلم النافع لأن هذه المقصود منها البركة وبقاء الإسناد هذا من علم الحديث الذي لا ينتفع به الآن. لهذا ابن كثير -رحمه الله- ما كان عنده عناية بالإجازات، الحافظ وغمزه الله يغفر له ويرحمه ويغفر لهم جميعًا الحافظ بن حجر في الدرر غمزه يقول: لم يكن عنده عناية بصنعة الحديث. يعني بالروايات والأسانيد ... إلى آخره؛ لأنه حافظ هو يحفظ المسند الحافظ بن كثير ويحفظ كتب كثيرة وألف المسند الجامع يعني اشتغل بما ينفع، أما الأسانيد إلى آخره فهذه ما اهتم لها. كذلك مثل تخريج الموافقات، والمُدَبَّج ونحو ذلك، هذه ما لنا حاجة فيها. الحديث اللي توافق فيه، مثلًا حديث ترويه توافق فيه ابن حجر بعلو إيش الفائدة منه؟ أو مثلًا نقرأ صحيح البخاري نذكر لك الإسناد إلى البخاري ما الفائدة منها؟ مثل هذه أشياء فيها تكثر كونها توجد عند طالب العلم عند العالم طيب إذا احتاج إليها، لكنه يتكثر ويسعى لها تشغله عن العلم النافع وعن التعليم النافع. هذه من الأشياء التي تركها أولى. فالتكاثر {أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ} يدخل في هذا. ما فيه شك ومنها التكاثر بكتب لا يحتاجها ومنها التكاثر بالأولاد ومنها التكاثر يعني فيه أشياء كثيرة.

سؤال: طلب الإجازات إذا كانت قريبة منه؟

الجواب: يكون له قصد يتتبعها من كل مكان، لكن إذا جاءته قريبة بدون ما يتكلف فيها ويتقصد أن يتتبع الأشياء ما فيه مانع إذا كانت قريبة أوزار عالمًا وقال له أجزني ونحو ذلك فأجازه.

سؤال: إذا طلب العلم لغير الله ثم صحح نيته وجعلها الله هل يكتب له ما سبق؟

الجواب: إي نعم يكتب له؛ لأن الأصل فيه الجهل؛ لأنه النية في العلم فيه جهل. العلم مثل الصلاة والزكاة يعني والعبادات وطلب العلم الغالب الإنسان يكون غافل عن هذا.

سؤال: مجادلة أهل البدع من الفرق الضالة وبيان شبهاهم وأباطيلهم؟

الجواب: هذا طيب لكن ما يكون فيه خصومة. يبين الحق ويرد على أهل الباطل. لكن ما يكون فيه انتصار للنفس الخصومة اللي فيها انتصار للنفس يعني الجدل المذموم لكن المجادلة بالتي هي أحسن هذه هي المطلوبة. بيان الحق بدليله والرد على الأقوال المخالفة والشبه بالأدلة الشرعية الواضحة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة هذا متعين لأنه جهاد. أما الانتصار للنفس وصياغة الردود اللي يظهر قوة المرء وإنقاص الآخرين هذه مقاصد فاسدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت