الصفحة 89 من 92

131 -وعن بن عباس -رضي الله عنهما- قال لقومٍ سَمِعَهمْ يتمارون في الدِّين: أَما عَلِمتُم أنَّ لله عبادًا أسكتتهم خشيةُ الله من غير صَمَمٍ ولا بكَمٍ، وإنهم لهمُ العلماءُ والفُصحاءُ والطُّلقاءُ والنُّبلاءُ؛ العلماء بأيَّام اللهِ، غير أنَّهم إذا تذكَّروا عظمةَ اللهِ طاشت عُقُولُهم وانكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتَّى إلى استفاقوا من ذلك تسارَعوا إلى اللهِ بالأعمال الزَّاكيةَ، يعُدُّونَ أنفُسهم من المفرِّطينَ، وأنَّهُم لأكياسٌ أقوياءُ، ومع الضَّالِّينَ والخطَّائينَ وأنهم لأبرارٌ بُرَءَاءُ، أَلا إِنهم لا يستكثرون له الكثير، ولا يرضون له بالقليل، ولا يُدِلُّون عليه بأعمالهم حيثُ ما لقيتُهم مُهتمُّونَ مُشفِقونَ، وَجِلونَ خائفونَ. رواه أبونعيم.

132 -قال الحسنُ وسَمِعَ قومًا يتجادلونَ: هؤلاء قومٌ ملُّوا العبادة، وخفَّ عليهِمُ القولُ، وقلَّ ورَعُهُمْ فتكَلَّموا [1] .

(1) الحمد لله وبعد هذه الأحاديث في آخر كتاب أصول الإيمان يبين فيها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى- ما ينبغي لطالب العلم أن يتحلى به من الأخلاق والأدب الواجبة والمستحبة، فذكر من الآثار شيئًا كثيرًا. ومنها قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - من طلب العلم لأربع دخل النار أو نحو هذه الكلمة:

1 -ليباهي به العلماء.

2 -أو ليماري به السفهاء. ...

3 -أو ليصرف به وجوه الناس إليه. ...

4 -أو ليأخذ به من الأمراء.

وهذه المقاصد كلها خلاف النية الصحيحة والقصد الصحيح في طلب العلم من طلب العلم للدنيا. كان داخلًا في قول الله -جل وعلا- {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الذي يعمل العمل الصالح لغير الله أو يريد به الدنيا وهو مما يراد به وجه الله -جل وعلا- فهذا متوعد بالنار لهذا قال هنا: من فهمه للآية وعلمه بالقرآن قال من طلب العلم لأربع دخل النار. لا يُقال هذا من قبيل المرفوع؛ لأنه مما لا يقال بالاجتهاد لأن هذا يقال بالاجتهاد وهو أنه أخذه من فهمه للآية لأن طلب العلم لمباهات العلماء يعني ليكون بهيًا بين العلماء وليُذكر بين العلماء فإن هذا طلب لغير الله، وكذلك نشر العلم لأجل أن ينظر إليه. أو لأجل أن تنصرف وجوه الناس إليه هذه نية فاسدة، وإنما النية الصالحة في طلب العلم أن يكون لله رغبة فيما عنده، وأن يرفع الجهل بذلك عن نفسه بطلبه للعلم، فهذه المقاصد من مقاصد الدنيا إذا كان قصده مباهاة العلماء وأن يذكر بين العلماء وأنه إذا جلس بين العلماء إذا عنده مسائل وإذا أنه يفهم في العلم هذا قصد سيء وليس قصد الخائفين من الله المتقربين إليه بطلبهم للعلم كذلك أو ليماري به السفهاء. يعني ليرد به على كل سفيه تكلم أو يكون ذا جدال في المسائل مع كل سفيه ممن يحسن ولا يحسن. ممن يتكلمون بغير علم ويتجرءون على الحق هؤلاء هم السفهاء. فممارات السفهاء خلاف السنة إذا كان يقصد أنه إذا جاءه أحد أنه يظهر نفسه، ويماري هذا وهذا هذا خلاف النية الصحيحة والقصد الصحيح؛ في أنه يطلب العلم لله -جل وعلا- إذا احتاج بعد ذلك إلى رد منكر وإلى رد قول من الأقوال الباطلة فهذا واجب عليه أو مستحب بحسب الحال، لكن يطلبه ليحصل له ذلك، يطلبه ليتحدث في الجرائد. أو ليكون ذا كتابات أو ليظهر في الشاشات، أو نحو ذلك يكون عنده خبر وقد يكون طلبه للعلم لمنشئه أصلًا، وقد يكون طلبًا للعلم الزائد، ويطلب العلم ليستكثر لا لأجل التعبد ولكن لأجل أن تنصرف وجوه الناس إليه بالزيادة وهو غير مريد لوجه الله أو يريد أن يماري به فلان وفلان ويرد ويسير ذا ثقافة وعلم بين الناس وهو في داخله غير متعبد بذلك. نسأل الله العافية والسلامة.

أو ليترزق به يعني ليدخل على الأمراء ويقال هذا فلان عنده علم وهذا عنده ثقافة وهذا يحفظ كذا وكذا، فيعطى لأجل ذلك فهذه نيته، وهذه كلها مقاصد فاسدة ومن أحسن ما يقال أو من أحسن ما يذكر في هذا من مقاصد العلماء المحمودة ما ذكره أحد تلامذة الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب زين الدين. حيث قال: كنا مرة في مجلس شيخنا بعد صلاة الصبح، وذكر مسألة من المسائل الفقهية من غرائب المسائل، وفصل فيها القول، وذكر أقوال العلماء والفقهاء والتخريج إلى آخره. ذلك مما تعجبنا منه ومن حافظته وحسن استخراجه. قال: ثم دُعينا ذلك اليوم مع شيخنا في مجلس فيه عدد من القضاة ومن أكابر العلماء قال: فذكرت المسألة فلم يُحسنوا الكلام عليها، وكان شيخنا ساكتًا ووددنا لو أنه تكلم حتى يظهر فضله، ثم لما انصرفنا ذكرنا له سكوته، فقال: هذا مجلس يُراد للدنيا ومجلسي معكم يراد للآخرة. وهذا ظاهر في كثير من المباحث التي تجري وليس المقصود منها الفائدة في المجالس العامة وفي مخالطة الناس. ما يكون المقصد الفائدة المقصد المراء. فهذا يظهر علمه، وهذا يظهر علمه وليس المقصود تحقيق المسألة وإفادة الحاضرين وأشباه ذلك مما يوجب السكوت.

الأثر الثاني: قال فيه: وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال لقوم سمعهم يتمارون في الدين أما علمتم أن لله عبادًا أسكتتهم خشية الله من غير صَمَم ولا بَكم، وظاهر السياق وطول الرواية يدل على ضعفه يعني وعدم صحته عن ابن عباس -رضي الله عنهما- لكنه متضمن لمعانٍ صحيحة وهي أن طالب العلم والعالم أعظم ما يزينه خشية الله -جل وعلا- والخوف منه فيما بينه وبين ربه فإن هذا سبب من أسباب حب الله -جل وعلا- له وأيضًا سبب من أسباب ثبات العلم في صدره وانتفاعه بالعلم؛ لأن هؤلاء إذا تذكروا عظمة الله -جل وعلا- صار لهم في قلوبهم انكسار وإسراع في مرضاة الله - جل جلاله -، وهذا يظهر في مسائل منها: النطق بالحق في وقت يحتاج فيه إلى النطق بالحق في المسائل العظام التي تُحتاج في الدين، ويقوم فيها العلماء مقام الأنبياء في التذكير بحق الله -جل وعلا- وبتوحيده ورد الإشراك به وأشباه ذلك من الدعوة إلى السنة وترك البدعة وتحليل الحلال وتحريم الحرام. فإنه من تذكر عظمة الله -جل وعلا- وقرت في صدره من العلماء هان عليه الخلق ولم يأبه بهم هذا صنيع الأئمة في الدين وذوي المقامات العالية الذين شغلت قلوبهم عظمة الله -جل وعلا- فلم ينظروا إلى رضا الراضي وإلى سخط الساخط، بخلاف من ينظرون إلى أهل الدنيا فيتزلفون لهم بالأقوال التي يعلمون أنها مخالفة للشرع أو يعلمون أنها مخالفة لما يجب أن يقولوه لهم، لكن تزلفوا إليهم بهذه الأقوال، وهذا كثير جدًا وحصل في عدد من الوقائع معروفة في الماضي وفي الحاضر نسأل الله العافية والسلامة. فإذًا الواجب على طالب العلم أن يكون همه إصلاح قلبه وإصلاح ما بينه وبين ربه وخوف الرب - جل جلاله -؛ لأن هذا مدعاة لانتفاعه بعلمه وثباته عليه والله -جل وعلا- يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} .

أما الأثر الثالث: قال الحسن أو الخبر الثالث: قال الحسن يعني البصري، وسمع قومًا يتجادلون هؤلاء قوم ملّوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا، والمجادلة لا تُحمد كما ذكرنا لكم سابقًا. إلا إذا كانت لبيان الحق أما المجادلة للمغالبة ولإظهار العلم فهذا قصد سيء، وبعدها يكون قسوة في القلب، ولابد تحدث المراء والشحناء في النفوس، ولهذا الذي ينبغي على طالب العلم أ لا يشتغل بالمجادلة التي ليس المقصود منها الوصول إلى الحق، فإذا تناقشت أنت وأحد حتى من طلبة العلم أو من إخوانك أو من زملائك فلا تفتح سبيلًا للشيطان. النقاش لبيان الحكم حكم المسألة لبيان الحق فيها إذا كان الطريق تحول والنقاش تحول إلى مجادلة فخيرهما الذي يصمت ويسكت؛ لأن ما عاد صارت المسألة في بيان الحق خلاص يسكت. أما إذا كان لبيان الحق والوصول إليه وهذا يتباحثون في وجه الاستدلال بالدليل إيراد الأدلة ونحو ذلك أما هذا ينتصر لرأيه وهذا ينتصر لرأيه. بقصد المغالبة فخيرهما الذي يسكت ولهذا قال الحسن هنا في القوم الذين يتجادلون: هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول، وقل ورعهم فتكلموا، ملوا العبادة، العبادة بنشر العلم العبادات المعروفة فأكثروا الكلام لأنهم ملّوا الخير. الكلام الذي يجادلون فيه اللي نشأ في زمن الحسن من النقاشات التي إما في العقيدة أو في غيرها مما هو ليس مقصودًا به الحق، وإنما المغالبة. هذه آداب مهمة لطالب العلم إذا تركها أصيبت مقاتله ولا بد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت