الصفحة 46 من 58

وأقول: لله دَرُّ هذا المعترض من فهَّامة أدُوب، فسبحان من خصَّه بتحقيقات لم يُفتح بها على عاقل أبدا، زاده الله فهما وأدبا.

وقوله: (خصوصا وابن مالك مجتهد ... إلخ) لا يفيده شيئا؛ إذْ ما سُبق منقولٌ عن مجتهدين وابن مالك مسلَّمٌ له فيما يظهر، ولو سمع عبارته مجنون لقال له: ما مرادك بالَّذي في كتب العربيَّة ولم يطلع عليه؟ فإن قال: هو نفس مذهب ابن مالك السَّابق، قال له: قد اطلع عليه حتى أورد عليه الاعتراض؛ وإن قال: هو أنَّ الجملة تقع بعد (لاسيَّما) إن كانت بمعنى: خصوصا، قال له: هذا مشهور لكلّ أحدٍ، وبَيَّن له أن كلام ابن مالك ليس فيه كما سبق.

التنبيه الثاني: أرجح الأوجه السَّابقة الجرُّ؛ لأنّه لا حذف معه [1] [79] )، وزيادة (ما) لكثرتها لا توجب ضعفه بخلاف الرَّفع، فإن فيه حذف العائد المرفوع وهو في حدِّ ذاته شاذٌّ قياسا وسماعا، إذا لم يحصل طول كما في بعض أمثلة ما نحن فيه، نحو: (أكْرِمْ الرجالَ ولاسيّما زيدٌ) بخلاف نحو: (ولاسيّما رجلٌ كريمٌ) للطول بالوصف، ومقتضى هذا أن يُقيَّد ضعف الرَّفع بعدم الطّول، لكنَّهم أطلقوا ضعف رجحان الجرّ عليه نظرًا إلى أنّ الجرَّ ليس في جزئياته شذوذٌ ما، بخلاف الرَّفع فإنَّ بعض جزئياته شاذٌّ، ولاشكَّ أنّ ما كانت جميع جزئياته غير شاذَّة أقوى ممَّا بعض جزئياته شاذّ، هذا وإن كان الحذف بالنَّظر لهذا

(1) ( [79] ) ينظر توجيه الجر في ابن يعيش 2/ 85، والايضاح في شرح المفصل 1/ 368، وشرح الكافية للرضي 1/ 249 ومغني اللبيب 149، والمساعد 1/ 597، وهمع الهوامع 1/ 234.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت