فهرس الكتاب
أما الغيبة بالجوارح والأركان تكون باليد كأن يشير فلان قصير وإلى ذلك أشار النبي-عليه الصلاة والسلام- بقوله لما أشارت أم المؤمنين أنها قصيرة قال: (( والذي نفسي بيده لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لأنتنته ) )أي أن هذا الفعل منك تعيّرين به هذه الأمة من إماء الله بالقصر (( لو مزجت بماء البحر ) )أي بما فيها من الأذية للمؤمنة وأذية المؤمن عظيمة عند الله - سبحانه وتعالى - (( لو مزجت بماء البحر ) )لو كانت شيئًا حسّيًا يظهر قذره للعيان ووضع هذا القدر في البحر الذي يعرف بكثرة الماء ولا يتغير قال: (( لأنتنته ) )أي لوجد نتنه وضرره، فهذا يدل على خطر الغيبة فهذا غيبة اليد، غيبة اللسان مثل أن يتكلم يأتي الشخص وهذا يقع عند حكاية أحوال الناس فتجده يحكي لهجة الشخص أو يحكي أسلوبه في الكلام كأن يكون رجلًا أعجميًا فيتكلم كلامًا أعجميًا كأنه يحاكيه في الكلام أو يكون في لسانه رت أو لثغ فيأتي بالرت واللثغ على أساس أنه يحكي كلامه، فهذا كله من الغيبة-نسأل الله السلامة والعافية- وآخذ حكمها، فكما تقع الغيبة بالكلام تقع كذلك بالجوارح والأركان فبعض الناس يظن أن الغيبة لا تقع إلا بالكلام والواقع أنها أعم من هذا كله، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الإشارة غيبة ومن هنا قال العلماء: إن الفعل آخذ حكم القول لأن المراد أن تحفظ حرمة أخيك المسلم ويستوي في ذلك أن يكون انتهاكها بالقول أو يكون انتهاكها بالفعل، بل إن انتهاكها بالفعل في بعض الأحيان أشد من انتهاكها بالقول، والغيبة لا خير فيها، فلا يغتاب الناس إلا إنسان دنيء لأن الإنسان الكامل في خلقه والكامل في أدبه مع الناس يحفظ لسانه عن أذية المسلمين ويصونه عن الوقيعة في أعراضهم، وعلى ذلك يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه فكما أنه يكره أن يُذكر عند الناس كذلك يكره أن يذكر الناس بما لا يحبوه، فهذه الغيبة محرمة وبالإجماع أنها من كبائر الذنوب.