الصفحة 29 من 94

وَلِهَذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ قَلِيلًا جِدًّا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي التَّابِعِينَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الصَّحَابَةِ فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ [1] .

(1) الدليل السابع: هو قلة اختلاف السلف رضوان الله عليهم في تفسير القرآن بل يكاد يكون معدومًا، لا يوجد اختلاف إلا في قضايا هي من باب الناسخ والمنسوخ، أو قضايا محتملة للأوجه ويكون هذا أخذه ببيان وهذا أخذه ببيان، أن يكون كل واحد من الصحابة أخذه بيانًا على وجه من الوجوه، هذا الأمر يحتم ما دام أنهم متفقون في تفسيره، إذا فإن مصدرهم في هذا التفسير واحد، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فصح أنه - صلى الله عليه وسلم - ما مات إلا وقد بين لهم جميع القرآن.

هذه أدلة سبعة أوردها - رحمه الله - للتدليل على هذا الأصل، وهو أصل مهم من أصول تفسير القرآن الكريم.

فإن قيل: ماذا ينبني على هذا الأصل؟

فالجواب: هذا الأصل إذا فهمناه وعرفناه وثبت لدينا بالأدلة ينبني عليه أمور كثيرة:

1 -أول أمر ينبني عليه: توسيع معنى تفسير القرآن الكريم، فليس تفسير القرآن هو فقط باللفظ المباشر، بل تستطيع في مواطن من القرآن الكريم أن تجعل الأحكام الشرعية مفسرة للمراد، فيصير هنا تفسير بالطريق الثاني، وهو بطريق التطبيق العملي في الحياة الإسلامية.

والسنة كلها تفسير للقرآن، فهي تفسر القرآن وتقضي عليه يعني: تخصص عامه وتقيد مطلقه توضح المراد منه.

2 -الأمر الثاني الذي ينبني على هذه القاعدة: ضرورة الاهتمام بالآثار الواردة عن الصحابة في تفسير القرآن الكريم، إذ بناءً على هذا الأصل، ماذا يكون حكم تفسير الصحابي؟ يغلب على الظن أنه مرفوع، يصير حكمه حكم المرفوع بغلبة الظن، ولذلك لما يأتي بعض أهل التفسير عند قراءة شاذة ويقول: ولعل هذا من تفسير الصحابي فهي قراءة تفسيرية، أقول: هذا ليس انتقاصًا، ولكنه أعطاها حكم المرفوع بل أكاد أصل إلى درجة اليقين أن الصحابي حينما يفسر الآية داخل نصها فإنه لا يفعل هذا إلا وقد سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم؟

إذًا الأمر الثاني الذي ينبني على هذا الأصل: أهمية تفسير الصحابة، إذ إنه يغلب على الظن أنه مما تلقوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون له حكم الرفع، ومن ذلك القراءات الشاذة فإننا لو تنزلنا وقلنا إنها من أقوال الصحابة في تفسير القرآن فإن لها حكم الرفع.

3 -مما ينبني على هذا أيضًا ما ختم به شيخ الإسلام هذه القاعدة وهو: التنبيه على أهمية تفسير التابعين إذ إنهم - وبالذات بعضهم مثل مجاهد والكبار منهم -، تلقوا القرآن عن الصحابة قراءة وتفسيرًا. يقول مجاهد: (قرأت القرآن أكثر من مرة على ابن عباس أوقفه عند كل آية) حتى جاء في بعض الآثار: (قرأته عليه ثلاثين مرة) ، وفي بعضها: (ثلاث مرات) ، أقل أو أكثر، المهم أنه يقول: (أوقفه عند كل آية) .

إذًا ينبني على هذا الأصل: ضرورة الاهتمام بتفسير التابعين.

4 -الأمر الرابع الذي ينبني على هذا الأصل: أننا نشترط في قبول أي تفسير فيه توسيع لمعنى الآية أن لا يخالف مخالفة تضاد التفسير بالمأثور.

التفسير نوعان: التفسير بالمأثور، والتفسير بالدراية أو بالرأي؛

فالتفسير بالمأثور: هو تفسير للآية بما أُثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن صحابته أو عن التابعين الذين لهم مثل هذه الخصوصية، وبعضهم يقصره عن ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عما جاء عن الصحابة، التفسير الذي تورد فيه هذه الآثار صرفًا بدون مزجها بالترجيح والتوجيه هو التفسير بالمأثور.

التفسير بالرأي: تفسير يورد فيه صاحبه بيان الآية بحسب ما يراه من جهة اللغة والاجتهاد والأمور العامة، من شروط قبول التفسير بالرأي - وقد سبق أن ذكرت الشروط فيما مضى من دروس- من هذه الشروط: أن لا يخالف التفسير بالرأي مخالفة تضاد التفسير بالمأثور، لماذا؟ لأننا نقول: التفسير بالمأثور تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم سواء جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة أو عن التابعين الذين عرفوا بهذه الخصوصية، وبناءً عليه: لا تجوز مخالفة هذا التفسير الذي جاء منقولًا ومأثورًا عنهم، فأي معنى تأتي به في الآية يخالف هذا التفسير المأثور مخالفة تضاد فهو مضروب عليه مطرح متروك.

إذا جاء معنى في تفسير الآية لا يخالف كلام الرسول والصحابة والتابعين مخالفة تضاد إنما يوسع المعنى بدون مخالفة، فنقول: هذا من باب اختلاف التنوع ولا حرج فيه إذا روعيت بقية الشروط في قبول التفسير بالرأي.

5 -مما ينبني على هذه القاعدة - وهو المقصود الأعظم منها - تعظيم التفسير بالمأثور، والحرص على درسه وفهمه وتعلمه، إذ ما كان مرفوعًا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ظاهر في أهمية طلبه ودراسته، وما جاء موقوفًا فإن جملة منه يجزم برفعها، وغيرها يغلب على الظن رفعها، ولو حصل الجزم بأنها قول للصحابي فلا شك أن فهمه وتفسيره مقدم على تفسير غيره، لما لهم من الفضيلة والشرف، والعلم بأحوال القرآن العظيم، وما كان عن التابعين فأغلبه مما يجزم بأنه مما تلقي عن الصحابة رضوان الله عليهم، إلا ما يحصل الجزم أو بغلبة الظن أنه من كلامهم فلا شك أنه جدير وحقيق بالنظر فيه ودرسه ورعايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت