فهرس الكتاب
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ فَهْمُ مَعَانِيهِ دُونَ مُجَرَّدِ أَلْفَاظِهِ فَالْقُرْآنُ أَوْلَى بِذَلِكَ [1] .
وَأَيْضًا فَالْعَادَةُ تَمْنَعُ أَنْ يَقْرَأَ قَوْمٌ كِتَابًا فِي فَنٍّ مِنْ الْعِلْمِ كَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَلَا يستشرحوه فَكَيْفَ بِكَلَامِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ عِصْمَتُهُمْ وَبِهِ نَجَاتُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ وَقِيَامُ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ؟ [2] .
(1) هذا هو الدليل الخامس قال: (وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ فَهْمُ مَعَانِيهِ دُونَ مُجَرَّدِ أَلْفَاظِهِ فَالْقُرْآنُ أَوْلَى بِذَلِكَ) قال: القرآن كلام الله، فإذا كان كل كلام المقصود منه: فهم معانيه؛ فكلام الله أولى الكلام بأن تفهم معانيه، فإذا قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم على الصحابة كلام الله، فلا بد أن يكونوا قد فهموا معانيه، إما بحسب لغة العرب التي عرفوها، ويكون إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لفهمهم سنة تقريرية، وإما أن يكون بأحد الطرق التي سبقت وهي: إما عن طريق البيان المباشر، وإما عن طريق التطبيق العملي في واقع الحياة الإسلامية، ويعرف بطريقة التطبيق العملي لشخصه صلى الله عليه وسلم.
يقول في هذا الدليل الخامس - وهو دليل عقلي: كل كلام المقصود به التفاهم، يعني: حينما تأتي لعلماء الاجتماع تقول: ما هو الكلام؟ يقولون: الكلام لغة التخاطب التي يستطيع بها البشر أن يتواصلوا فيما بينهم فينقلوا مراداتهم بينهم.
والمراد بالتواصل: نقل المعاني من جهة إلى جهة، هذا هو الكلام لغة تفاهم وحوار وتواصل، فإذا كان المقصود بالكلام هو: فهم المعنى المراد وإيصاله من جهة إلى جهة.
وعليه فإن كلام الله أولى الكلام بأن يكون قد تحصل فيه فهم المراد.
ومن أولى الطبقات في فهم المراد من القرآن؟
هم بلا شك الصحابة الذين سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم.
فنتج أن الرسول بين للصحابة جميع القرآن العظيم.
(2) الدليل السادس: يقول: (َالْعَادَةُ تَمْنَعُ أَنْ يَقْرَأَ قَوْمٌ كِتَابًا فِي فَنٍّ مِنْ الْعِلْمِ كَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَلَا يستشرحوه) أي: لا يطلبون شرحه، يقول: العادة تمنع أن يقرأ على شخص كتابًا في فن من الفنون لا يطلبون شرحه وبيانه!
إذا كان الصحابة قرأوا القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبحسب ما جرت به العادة لا بد أن يكونوا قد سألوه عما أغلق عليهم ففهمهم إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتحصل أنهم فهموا جميع القرآن؛
إما ببيانه المباشر.
وإما من خلال تطبيقه العملي.
وإما من خلال تخلقه به - صلى الله عليه وسلم -.
وإما بمجرد التقرير للمعنى الذي فهموه بحسب ما جرى عليه العرف بينهم.
وإما بمجرد تقرير المعنى بحسب لغة العرب.
وفي هذه الأحوال جميعها يكون الرسول بين لهم القرآن إما بالقول أو بالفعل أو بالتقرير، فصح أن الرسول بين للصحابة جميع القرآن!