فهرس الكتاب
يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا; وَلِهَذَا كَانُوا يَبْقَوْنَ مُدَّةً فِي حِفْظِ السُّورَةِ [1] .
وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ الرَّجُلُ إذَا قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ جَلَّ فِي أَعْيُنِنَا [2] .
وَأَقَامَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حِفْظِ الْبَقَرَةِ عِدَّةَ سِنِينَ قِيلَ: ثَمَانِ سِنِينَ ذَكَرَهُ مَالِكٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} وَقَالَ: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} وَقَالَ: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} وَتَدَبُّرُ الْكَلَامِ بِدُونِ فَهْمِ مَعَانِيهِ لَا يُمْكِنُ [3] .
وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وَعَقْلُ الْكَلَامِ مُتَضَمِّنٌ لِفَهْمِه [4] .
(1) انظروا أبو عبد الرحمن السلمي يقول: (حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ: كَعُثْمَانِ بْنِ عفان وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا) . هذا نص ودليل يبين أن الصحابة رضوان الله عليهم تعلموا تفسير القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لا يعقل وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقنهم ويعلمهم ويحفظهم آيات القرآن الكريم؛ وهم لا يعقلون معناها، ولا يعقل في ذكائهم ونباهتهم رضوان الله عليهم وحرصهم على الدين وعلى العلم أن يقرأوا القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم لا يفهموه، هذا ليس بمعقول!
(2) هذا نص آخر يدل على أنهم كانوا يتعلمون معاني القرآن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال أنس بن مالك - رضي الله عنه: كَانَ الرَّجُلُ إذَا قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ جَلَّ فِي أَعْيُنِنَا)، يعني: عَظُم. (وتعالى جدُّك) أي: تعالت عظمتك.
(جدَّ في أعيننا) يعني: عظُم وكبر، لماذا؟ إذا كانت القضية مجرد حفظ فالصحابة كانوا من العرب الأقحاح الذين كانوا يوصفون بسيولة الذهن وسرعة الحفظ، وليس التمايز من جهة الحفظ، لماذا يكبروه ويعظموه إذا حفظ سورة البقرة؟ الجواب: لأن سورة البقرة من السور الطوال المتضمنة للأحكام الكثيرة، ولأن طريقتهم في القراءة والحفظ كانت طريقة بالعلم والعمل، فإذا ما قرأ الرجل سورة البقرة معنى ذلك أنه حفظها وعرف معانيها وتفسيرها وما فيها من الأحكام والعلم وعمل به ولذلك وكانوا إذا قرأوا القرآن وأرادوا حفظه يأخذون مددًا طويلة لأنهم يراعون في حال الحفظ معرفة المعنى.
(3) الدليل الثالث: ما جاء في القرآن الكريم من الأمر بالتدبر، (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24) ، وقوله: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (صّ: من الآية29) .
كيف يسمع الصحابة رضوان الله عليهم هذه الآيات الكريمات التي فيها الأمر بالتدبر ثم هم لا يتدبرون القرآن؟!
التدبر هو: النظر في عواقب الأمور، أي: النظر إلى أدبار الأمور ماذا تكون؟ والفقيه إذا نزلت نازلة نظر في عواقبها، وعواقب القول الذي يريد أن يقول في حكم هذه النازلة قبل أن يتكلم.
انظروا ما ذكره الله من أحوال الكافرين وما آلت إليه عاقبتهم، لما عصوا الرسل!
انظروا إلى أحوال المؤمنين وما آلت إليه عاقبتهم، من نعيم الجنة والسعادة في الدنيا والآخرة!
هل يستطيع الإنسان أن يتدبر في شيء وهو لا يعرف معناه؟
الجواب: لا. مادام لا، إذًا لا بد لمن تدبر القرآن أن يفهم معانيه.
من أولى الناس بأن يتدبر القرآن؟
الجواب: من قرأه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الصحابة رضوان الله عليهم.
فهذا هو الدليل الثالث في تأسيس هذه القاعدة.
(4) الدليل الرابع الذي أورده على هذه القاعدة: ما ذكره من قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف:2) قال: وعَقْلُ الكلام متضمن لفهمه. العَقْل: هو ربط الشيء وإحكامه حينما تقول: فلان عَقَلَ الدابة، أي: ربطها وأحكمها، وحينما تقول: فلان عَقَل الشيء، أي: إنه فهمه وربطه في ذهنه وعقله وأحكمه بعقله.
من أولى الناس بأن يتعقل القرآن ويتحقق فيه قوله سبحانه وتعالى: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ؟
و (لعل) من الله واجبة، يقول العلماء: (عسى) و (لعل) من الله واجبة، حينما يقول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، كأنه قال: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا من أجل أن تعقلوا، لا ترجي بالنسبة إلى الله، لأن الله يعلم الأمور وعاقبتها، ولا يرد إرادته سبحانه شيء، و (لعلكم تعقلون) أي: لتعقلوا.
من أولى الناس أن يمتثل هذا ويقوم به؟
الجواب بلا شك - إن شاء الله تعالى - الصحابة الذين قرأوا القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم أولى الناس بذلك، وعقِل القرآن يتضمن فهمه.
فإذا كان الصحابة عقلوا القرآن فهذا دليل على أنهم فهموه وعرفوا تفسيره وكشفوا معانيه وتبينوا مراده سبحانه وتعالى بحسب ما علمهم إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم.