الصفحة 26 من 94

فَصْلٌ

يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ لِأَصْحَابِهِ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ كَمَا بَيَّنَ لَهُمْ أَلْفَاظَهُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ} يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا [1] .

وَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ: كَعُثْمَانِ بْنِ عفان وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ

(1) (الدرس الرابع 15/ 7/1423)

(1) هذا الفصل وهو أول فصول هذه المقدمة، يتضمن الأصل الأول من أصول التفسير، ما هو هذا الأصل؟ هو: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما مات إلا وقد فسَّر جميع القرآن للصحابة رضوان الله عليهم.

إذًا القرآن الكريم فسره الرسول صلى الله عليه وسلم وبيَّن معانيه ووضحه وكشف - عليه الصلاة والسلام - المراد منه.

فإن قيل: هذه دواوين السنة بين أيدينا لا يأتي فيها تفسير القرآن آية آية، فكيف يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ما مات حتى بين للصحابة جميع القرآن؟

فالجواب: ما مات صلى الله عليه وسلم حتى بين للصحابة جميع القرآن، ولكن البيان يكون على طرق؛

فالطريق الأول: البيان المباشر، كأن يقول صلى الله عليه وسلم: (الكوثر: نهر أعطاني الله إياه في الجنة) [الترمذي:2542] ، فهذا تفسير مباشر عن الرسول صلى الله عليه وسلم لكلمة (الكوثر) : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (الكوثر:1) ، ومنه تفسير الظلم في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) (الأنعام: من الآية82) ، حيث جاء جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية، وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ ما منا إلا وقد ظلم، من الذي لم يلبس إيمانه بظلم؟ ففسر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم الظلم المراد في الآية فقال عليه الصلاة والسلام: (ألم تقرأوا قول الرجل الصالح:(يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: من الآية13 ) ) [البخاري ومسلم] ، فبين - صلى الله عليه وسلم - أن المراد بالظلم هو: الشرك، فمعنى الآية: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بشرك، هذا هو المقصود. هذا النوع الأول من البيان، وهو قليل في الأحاديث.

والطريق الثاني: بيان الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم، بالتطبيق العملي في حياة المسلمين في زمنه، فهو صلى الله عليه وسلم وحينما علَّم الناس الصلاة؛ فسر لهم معنى قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (البقرة: من الآية43) ، هو صلى الله عليه وسلم حينما بين للناس أحكام الزكاة؛ فسر لهم عمليًا أحكام الزكاة، وحينما صلى بالناس في مواقيت الصلوات الخمس؛ بين لهم معنى قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) (هود: من الآية114) ومعنى قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (الاسراء:78) ، وحينما أقام حد الزنى؛ بين تطبيقًا معنى هذا الزنى، وحينما أقام حد السرقة؛ بين تطبيقًا معنى حد السرقة الوارد في القرآن.

ومن اقتصر على الطريق الأول في بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - للقرآن يفوته شيء كثير، إذ إن هذا النوع الثاني أكثر من النوع الأول.

الطريق الثالث من طرق بيان الرسول وتفسيره للقرآن الكريم: هو ما كان يتخلق به صلى الله عليه وسلم في نفسه، وقد قالت عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم: (كان خلقه القرآن) . فالرسول صلى الله عليه وسلم كان في خلقه في معاملته في نفسه عليه الصلاة والسلام مفسرًا ومطبقًا للقرآن الكريم.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر جميع القرآن بقوله وفعله وتقريره.

ودلل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لهذا الأصل بأدلة سبعة:

الدليل الأول: وهو آية صريحة وهي قوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم) (النحل: من الآية44) ، فالرسول وظيفته بلاغ ما أنزله الله إلى الناس، وبيانه لهم. والآية نص في أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين القرآن الكريم، لأننا نقول: بما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بذلك بحسب نص الآية، وبما أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما مات حتى قام بالبلاغ، وأداء الرسالة؛ إذًا: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد بين القرآن الكريم.

الدليل الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام: ما جاء عن الصحابة في أنهم كانوا يتعلمون القرآن ويتعلمون تفسيره، فإذا كانوا لا يعلمون تفسيره؛ كيف يقولون: (نتعلم العلم والعمل) ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت