الصفحة 31 من 94

فَصْلٌ

الْخِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيلٌ وَخِلَافُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ أَكْثَرُ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ وَغَالِبُ مَا يَصِحُّ عَنْهُمْ مِنْ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ تَنَوُّعٍ لَا اخْتِلَافِ تَضَادٍّ وَذَلِكَ صِنْفَانِ [1] :

(1) الاختلاف هو: المعارضة وعدم الاتفاق، وهو: أن يأتي شيء مكان شيء.

والاختلاف منفي عن الشرع، فإن الشرع لا اختلاف فيه ولا تعارض ولا تناقض.

فإن قيل: كيف لا اختلاف في الشرع ولا تعارض ولا تناقض، وهذه بعض الآيات يشكل معناها على آيات أخرى وبعض الأحاديث يشكل معناها على أحاديث أخرى؟

فالجواب: إن هذا التعارض والتناقض الموجود إنما هو بحسب المجتهدين لا بحسب القرآن والسنة ولا بحسب الشرع، ولذلك قد يكون عند شخص بحسب علمه واجتهاده آية تعارض آية، وعند عالم آخر لا تعارض ولا إشكال.

مثلًا: حينما يأتي إنسان ويسمع قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر:92) ، يقول: هذه الآية فيها تقرير أن الله سيسأل الناس يوم القيامة، ثم يقرأ في القرآن قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) (الرحمن:39) ، فيقول: هذا مشكل، الآية الأولى تقول: إنهم سيسألون، والآية الثانية تقول: إنهم لا يسألون، فيقول: هذا تعارض وتناقض، فنقول له: لا، هذا التعارض والتناقض بحسب فهمك لقصورك في العلم حصل هذا التناقض والاختلاف لديك وإلا في الحقيقة لا تعارض ولا تناقض.

والجواب عن هذا الإشكال في هاتين الآيتين كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الآخرة مقامات، ففي مقام لا يسأل أحد عن ذنبه، وفي مقام يسألوا ويحاسبوا، ففي الموضع الذي جاء فيه أن الله لا يسأل عن شيء: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) ، فهو في مقامات يوم القيامة لا يسأل عن شيء، وفي الموضع الذي جاء فيه: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ، فهو في مقام من مقامات القيامة يكون فيه السؤال والتقريع إما على سبيل التبكيت، وإما على سبيل من السبل الأخرى التي يذكرها أهل العلم في هذا المعنى.

جواب آخر، قالوا: السؤال يأتي لمعانٍ فالمنفي: سؤال الاستعلام لأن الله يعلم (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14) ، فيكون معنى (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) أي: لا يسأل سؤال استعلام واستخبار لأن الله يعلم ما أحدثوا، وكل ما عملوا من عمل موجود محفوظ في إمام مبين، كل إنسان كتابه موجود بما عمله من عمل، فلن يسأل أحد سؤال استعلام واستخبار، أما قوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أي: سؤال تبكيت وتوبيخ وتقريع، فالسؤال المنفي غير السؤال المثبت، هذان جوابان لأهل العلم في إزالة الإشكال. وتعرفون أن من لم يعرف هذه الأوجه من أوجه الجواب ومن أوجه المعنى تظهر عنده الآيتان كأنها مشكلة وهي ليست مشكلة في الحقيقة.

إذًا الشرع من حيث هو هو لا اختلاف ولا تعارض فيه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) (النساء:82) ، لكن ما دام من عند الله لن يكون فيه اختلاف.

فإن قال قائل: هذا دعاء الاستفتاح في الصلاة له أكثر من صيغة، هناك صيغة تقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ... الخ) ، وهناك صيغة تقول: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) ، وهناك صيغة تقول: (الله أكبر كبيرا ... الخ) ، وهذا اختلاف؟ فنقول: نعم. هذا الاختلاف موجود في الشرع وهو غير الاختلاف المنفي، فالمنفي: اختلاف التعارض والتناقض لا اختلاف في الشرع، يعني: لا تعارض ولا تناقض في الشرع.

الاختلاف الثاني موجود، والعلماء من أجل التفريق بين النوعين من الاختلاف قالوا: الأول المنفي اختلاف التعارض، والمثبت اختلاف التنوع، لأن اختلاف التنوع موجود في الشرع، مثلًا: أنت في فدية الأذى في الحج مخير بين ثلاثة أنواع، إما صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة، أنت مخير قي صلاة الليل توتر بركعة أو توتر بثلاث أو توتر بخمس أو توتر بسبع، هذا اختلاف، أنت مخير في أذكار الركوع بأكثر من ذكر، أنت مخير في أذكار السجود بأكثر من ذكر، أنت مخير في دعاء الاستفتاح بأكثر من ذكر، هذا تنوع جاء به الشرع توسعة على الناس. هذا اسمه: اختلاف تنوع.

شيخ الإسلام ابن تيمية يريد أن يقول: لا اختلاف تعارض وتناقض في المنقول عن السلف في تفسير القرآن الكريم، وغالب اختلافهم هو من باب اختلاف التنوع.

فمثلًا: تفتح التفسير فتجد أحد السلف يقول في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) قال: القرآن، آخر قال: الإسلام، آخر قال: طريق الجنة، آخر قال: السنة، آخر قال: ما كان عليه الصحابة، هذه الأقوال الأربعة هي قول واحد، إذ إن الصراط المستقيم هو القرآن وهو السنة وهو طريق الجنة وهو ما كان عليه الصحابة، تنوعت الألفاظ والمعنى واحد، فهو اختلاف تنوع.

وهذه القاعدة مهمة كثيرًا لمن يطالع كتب التفسير بالمأثور، أكثر الناس يستصعب القراءة في تفسير ابن جرير وابن كثير بسبب كثرة الأقوال التي يوردها في الآية؛ لكن لو تنبهوا لهذه القاعدة، لسهُل الخطب، ولم تعد القضية صعبة.

ثم يقول ابن تيمية رحمه الله: إن تنوعهم في التعبير عن الاختلاف يرجع إلى سببين:

الأول: أن يعبروا عن المعنى الواحد بأكثر من لفظ.

الثاني: أن يكون كلامهم من باب التمثيل، من باب المثال، ولا يقصدون به الحصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت