الصفحة 33 من 94

وَالْقَدِيرُ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْقُدْرَةِ.

وَالرَّحِيمُ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالرَّحْمَةِ [1] .

وَمَنْ أَنْكَرَ دَلَالَةَ أَسْمَائِهِ عَلَى صِفَاتِهِ مِمَّنْ يَدَّعِي الظَّاهِرَ: فَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ غُلَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا يُقَالُ هُوَ حَيٌّ وَلَا لَيْسَ بِحَيِّ ; بَلْ يَنْفُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ ; فَإِنَّ أُولَئِكَ الْقَرَامِطَةَ الْبَاطِنِيَّةَ لَا يُنْكِرُونَ اسْمًا هُوَ عِلْمٌ مَحْضٌ كَالْمُضْمَرَاتِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مِنْ صِفَاتِ الْإِثْبَاتِ؛

فَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَقْصُودِهِمْ كَانَ مَعَ دَعْوَاهُ الْغُلُوَّ فِي الظَّاهِرِ مُوَافِقًا لِغُلَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ فِي ذَلِكَ. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ [2] .

وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ وَعَلَى مَا فِي الِاسْمِ مِنْ صِفَاتِهِ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي فِي الِاسْمِ الْآخَرِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ.

وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَد وَالْمَاحِي وَالْحَاشِرِ وَالْعَاقِبِ.

وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ: مِثْلُ الْقُرْآنِ وَالْفُرْقَانِ وَالْهُدَى وَالشِّفَاءِ وَالْبَيَانِ وَالْكِتَابِ. وَأَمْثَالِ

(1) الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل: قال ابن سعدي رحمه الله (كما في الأجوبة السعدية عن المسائل الكويتية ص119) :"إن صفات الذات هي الصفات اللازمة التي لا تنفك ذات الباري عنها بل هو موصوف بها. وهي ثابتة له كل وقت، وفي كل حال، ولا تتعلق بقدرته ومشيئته، وذلك مثل الحياة والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والعظمة، والكبرياء، والعلو، والحمد، والمجد، والجلال، والجمال، والعزة، والحكمة، ونحو ذلك من الصفات التي هي من لوازم ذاته و لا ينفك و لا يخلو منها، فله منها كمالها وغاياتها ونهاياتها بحيث لا يحيط العباد ببعض هذه الصفات."

وأما صفات الأفعال فهي كل صفة تتعلق بقدرته ومشيئته، وهي التي إن شاء فعلها، وإن لم يشأ لم يفعلها، وذلك مثل صفة الكلام، فإنه موصوف بالكلام الذي لا ينفد و لا يبيد، وكلامه متعلق بمشيئته وقدرته، فإن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم، وكذلك صفة الرحمة، فإنها صفة ذاتية، وصفة فعلية، فإنه يرحم من يشاء {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ} (يوسف: من الآية56) ، وكذلك الاستواء على العرش فإنه لم يستو عليه إلا بعد خلق السموات والأرض، وكذلك النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة، فإنها من صفات الأفعال، فإنه ينزل إذا شاء كيف يشاء، وكذلك من صفاته الفعلية صفات الخلق والرزق والتصريف والتدبير، فإنه موصوف بأنه الخلاق والرزاق المتصرف المدبر للمخلوقات، ولكنها تتعلق بمشيئته وقدرته، فإنه كل يوم هو في شأن، وهي شؤون وتدابير وتصاريف يبديها ويظهرها في أوقاتها اللائقة بها بحسب حكمته وحمده، ذلك كله بقدرته ومشيئته. فهذا على وجه الإشارة هو الفرق بين الصفات الفعلية الذاتية والصفات الفعلية"اهـ"

وليعلم أن الله موصوف بهذه الصفات ومستحق لها، فهو لم يزل متصفًا بصفات الكمال، صفات الذات وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفا بها. وانظر شرح الطحاوية ص127.

(2) ضلَّ في أسماء الله وصفاته جماعات، وضلالهم ينحصر في ثلاثة اتجاهات:

اتجاه التأويل؛ وهو أن تصرف الأسماء والصفات عن معانيها.

واتجاه التعطيل؛ وهو أن يثبت الاسم أو الصفة وينفي المعنى، فعندهم الله عليم بلا علم، سميع بلا سمع، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.

واتجاه التجهيل، وهو أن يقولوا عن الأسماء والصفات: معناها مجهول، ويقولوا: الرسول لم يعلِّم الناس معناها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت