فهرس الكتاب
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ"الْقُرْآنُ": أَيْ اتِّبَاعُهُ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ:"هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ" [1] .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ"الْإِسْلَامُ"؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ:"ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَعَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ وَفِي السُّورَيْنِ أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَاسِ الصِّرَاطِ قَالَ: فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ وَالدَّاعِي عَلَى رَاسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ".
فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ [2] ; لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا نَبَّهَ عَلَى وَصْفٍ غَيْرِ الْوَصْفِ الْآخَرِ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ"صِرَاطٍ"يُشْعِرُ بِوَصْفِ ثَالِثٍ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ"السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ".
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ:"هُوَ طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ".
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ:"هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"صلى الله عليه وسلم.
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ [3] . فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَشَارُوا إلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ ; لَكِنْ وَصَفَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ بِصِفَةِ مِنْ صِفَاتِهَا.
"الصِّنْفُ الثَّانِي" [4] : أَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ مِنْهُمْ مِنْ الِاسْمِ الْعَامِّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ
(1) هذا الحديث في سنده الحارث الأعور، وقد ضعفوه، ومدار أسانيده وطرقه عليه. الحديث صحيح معنى ضعيف مبنى.
(2) القولان هما: تفسير (الصراط) بأنه القرآن، أو تفسير (الصراط) بأنه الإسلام فهذان القولان متفقان.
(3) فتحصل عندنا خمسة أقوال في تفسير (الصراط المستقيم) : القرآن، والإسلام، والسنة والجماعة، والعبودية، وطاعة الله ورسوله، هذه خمسة أقوال كلها في الحقيقة قول واحد، فهذا اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد.
هذه القاعدة مهمة لمن يطالع التفسير بالمأثور، وهي: أن يلاحظ أن الاختلاف الوارد عن الصحابة والتابعين في مجمله - إن لم يكن كله - من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد؛ فينظر في أقوالهم الواردة في تفسير الآية فإنها غالباُ ترجع إلى معنى واحد، والذي يحصل: أن كل واحد يعبر عن المعنى المراد باسم غير الذي يعبر عنه الثاني، أو يضرب أحدهم مثلًا للشيء فرد من أفراد العام غير ما يذكره الآخر، وهو السبب الثاني لهذا التنوع؛ لأن الشيخ ذكر لاختلاف التنوع سببين في عبارات السلف:
الأول: كل واحد يعبر عن الشيء باسم غير ما يعبر به الآخر، الذي هو: اختلاف اللفظ والمعنى واحد.
الثاني: أن يكون اللفظ عامًا فيذكر كل واحد فردًا من أفراد العام على سبيل المثال لا على سبيل الحصر.
(4) يعني الصنف الثاني مما يرجع إليه اختلافهم في التفسير، وهذا هو السبب الثاني، والذي قبله هو السبب الأول، وهو أن يعبر كل واحد منهم عن الشيء باسم غير الاسم الآخر؛ لكن كل الأسماء تعود إلى معنى واحد. وأما السبب الثاني فهو أن يكون للمعنى أفراد كثيرة فيذكر كل واحد منهم فردًا يشير إلى المعنى من باب التمثيل، أو من باب ذكر بعض أفراد العام.