فهرس الكتاب
وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِ عَلَى النَّوْعِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ.
مِثْلَ سَائِلٍ أَعْجَمِيٍّ سَأَلَ عَنْ مُسَمَّى"لَفْظِ الْخُبْزِ"فَأُرِيَ رَغِيفًا وَقِيلَ لَهُ: هَذَا. فَالْإِشَارَةُ إلَى نَوْعِ هَذَا لَا إلَى هَذَا الرَّغِيفِ وَحْدَهُ.
مِثَالُ ذَلِكَ مَا نُقِلَ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} ؛
فَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ يَتَنَاوَلُ الْمُضَيِّعَ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُنْتَهِكَ لِلْمُحَرَّمَاتِ [1] .
وَالْمُقْتَصِدُ يَتَنَاوَلُ فَاعِلَ الْوَاجِبَاتِ وَتَارِكَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالسَّابِقُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ سَبَقَ فَتَقَرَّبَ بِالْحَسَنَاتِ مَعَ الْوَاجِبَاتِ. فَالْمُقْتَصِدُونَ هُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} ، ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَذْكُرُ هَذَا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: السَّابِقُ الَّذِي يُصَلِّي فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ [2] وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الَّذِي يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ إلَى
(1) لو جاء شخص وقال: تفسير (الظالم لنفسه) قال هو: الذي يزني. وجاء آخر وقال: هو الذي يشرب الخمر، وثالث قال هو: الذي يأكل الربا، ورابع قال هو: الذي لا يحافظ على الصلاة، وخامس قال هو: الذي لا يحافظ على الصلاة جماعة، فهل هذا اختلاف؟ الجواب: لا، ليس هذا اختلاف، لأنها كلها داخلة في معنى الظالم لنفسه، فالظالم لنفسه يشمل أفرادا كثيرة، وكل واحد ممن أراد تفسير الظالم لنفسه ذكر فردًا من أفراد (الظالم لنفسه) .
هنا هذا الاختلاف: اختلاف تنوع، يختلف في سببه عن النوع الأول؛ الأول: التعبير بأسماء متعددة عن ذات واحدة، أما هنا: فالتعبير عن اسم عام بفرد من أفراده لا لقصد الحصر أو التخصيص، ولكن لغرض التمثيل أو التنبيه.
(2) يقول: (السابق بالخيرات) هو: الذي يصلي في أول الوقت، وآخر يقول هو: الذي يبذل الصدقة في أول ما يشعر أن هناك محتاج، وآخر يقول هو: الذي يبادر إلى الحج أول ما يستطيع، وآخر يقول هو: الذي يبدأ بالنفقة التي تجب عليه أول ما يتحصل على المال. هذه كلها من صفات السابق بالخيرات، لكن لا يراد بها الحصر.
إذا فهمتم هذه القاعدة - وهي قاعدة اختلاف التنوع واختلاف التضاد، وإن الموجود بين السلف هو: اختلاف التنوع ليس اختلاف التضاد، وفهمتم أسباب اختلاف التنوع - ننبهكم على أمر:
من الظلم في معاملة اختلاف التنوع إبطال الأنواع الأخرى، إذا أنت رجحت نوعًا لا تبطل النوع الثاني، نعم ترجح لكن لا تقول الثاني باطل، بل تقول: الأقرب الأول، الأقرب الثاني، لكن لا تقول: الصواب الأول، أو الصواب الثاني، لأنك إذا قلت هذا فمعناه أنك خطأت الآخر.
لماذا لا نحكم بخطأ القول الآخر في اختلاف التنوع، خاصة ولدينا أدلة على الترجيح أو قرائن؟
الجواب: لأن الأقوال كلها في اختلاف التنوع حق، والترجيح بينها من باب اختيار الأوضح والأقرب للفهم في أداء المعنى، فقط. كلها معاني واحدة متفقة، إمّا من باب ذكر المعنى الواحد بألفاظ متعددة، وإما من باب ذكر بعض أفراد العام، أو التمثيل.
فمن الظلم هنا: أن تبطل القول الآخر، أو تصادره كما يعبر بعضهم، بل قد يتحتم أحيانًا اعتماد جميع الأقوال الواردة، لأن الاقتصار على بعضها تقصير في تفسير معنى الآية.
وكذا في العبادات ما جاء منها على سبيل اختلاف التنوع، فمثلًا لو اختار رجل في دعاء الاستفتاح (سبحانك اللهم وبحمدك ... الخ) هل يجوز له أن يقول: ما عدا هذه الصيغة لا يجوز الاستفتاح بها؟ الجواب: لا! لماذا؟ لأن كل الصيغة الواردة في دعاء الاستفتاح الثابتة جائزة، وهو رجح هذه الصيغة لأنه رآها جاءت عن طريق عمر بن الخطاب أو عن طريق ابن مسعود .... الخ، لكن ينبغي أن لا يبطل الأقوال الأخرى لأنها من حيث المعنى راجعة إلى الأول هذه قضية.
قضية ثانية: اختلاف التنوع في باب الأحكام غيره في باب التفسير، اختلاف التنوع في باب الأحكام في باب العبادات السنة فيه: التنوع، والظلم فيه: ليس فقط في إبطال القول الآخر فقط؛ ولكن أيضًا من الظلم فيها أن تعمل بصفة واحدة وتترك الأخرى، ولكنه ظلم من باب ترك الأولى والأفضل في متابعة السنة، فليس من السنة أن تقتصر في الصلاة فقط على: (سبحانك اللهم وبحمدك .... الخ) لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مرة يستفتح بهذه، ومرة يستفتح بـ (اللهم باعد ... الخ) ، ومرة: (الله أكبر كبيرا .... الخ) ، فالسنة في اختلاف التنوع في العبادات: التنوع في العمل بها، فمرة بهذه ومرة بهذه.
أما في التفسير: فتارة لا مانع من أن تأخذ بقول واحد من الوارد، لأن جميع الأقوال راجعة إليه، وتارة لا يتم عندك المعنى المراد إلا بجمع جميع الأقوال.