فهرس الكتاب
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ الصَّاحِبِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْنَدِ كَمَا يَذْكُرُ السَّبَبَ الَّذِي أُنْزِلَتْ لِأَجْلِهِ أَوْ يَجْرِي مَجْرَى التَّفْسِيرِ مِنْهُ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْنَدِ؟
فَالْبُخَارِيُّ يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرُهُ لَا يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ، وَأَكْثَرُ الْمَسَانِدِ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ كَمُسْنَدِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ; بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَرَ سَبَبًا نَزَلَتْ عَقِبَهُ فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُدْخِلُونَ مِثْلَ هَذَا فِي الْمُسْنَدِ [1] .
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا؛ فَقَوْلُ أَحَدِهِمْ: نَزَلَتْ فِي كَذَا، لَا يُنَافِي قَوْلَ الْآخَرِ نَزَلَتْ فِي كَذَا إذَا كَانَ اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُمَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ بِالْمِثَالِ. وَإِذَا ذَكَرَ أَحَدُهُمْ لَهَا سَبَبًا نَزَلَتْ لِأَجْلِهِ وَذَكَرَ الْآخَرُ سَبَبًا ; فَقَدْ يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا بِأَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ عَقِبَ تِلْكَ الْأَسْبَابِ، أَوْ تَكُونَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً لِهَذَا السَّبَبِ وَمَرَّةً لِهَذَا السَّبَبِ [2] .
(1) اتفقوا على أن ما جاء عن الصحابي في بيان سبب النزول بصيغة صريحة كقوله:"حدث كذا فأنزل الله كذا"، أو"سئل رسول الله عن كذا فأنزل الله كذا"، أنه مرفوع، وأدخلوه في مصنفاتههم المفردة للمرفوعات.
واختلفوا في ما جاء عن الصحابة بصيغة غير صريحة كقوله:"نزلت هذه الآية في كذا"، أو"سبب نزول الآية كذا"،
فالإمام البخاري ومسلم أدخلاه في كتابيهما.
وغيرهما لا يدخله، وأكثر المسانيد على هذا.
وقد نص الحاكم في المستدرك (2/ 258) على أن ذلك من منهج البخاري، فقال:"ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديثًا مسندًا".اهـ
واختار في كتاب معرفة علوم الحديث في النوع الخامس [ص149/ السلوم] أن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا، فإنه حديث مسند، بخلاف تفسيرهم الموقوف عليهم.
والذي يترجح بحسب القاعدة الأولى المذكورة في كتاب مقدمة أصول التفسير: أن تفسير الصحابي للقرآن العظيم وبيانه لأسباب النزول هو من قبيل المرفوع حكمًا، ما لم يقم دليل على خلافه. ويستفاد من تقرير ابن تيمية رحمه الله للقاعدة أن هذا اختياره في هذه المسألة هنا، وقد سبق أن ذكرت أن هذا مما ينبني على هذه القاعدة الأولى المشار إليها.
(2) هذه العبارة من كلام الشيخ، تضمنت التنبيه على أكثر من مسألة وهي:
المسألة الأولى: أنه ماذا تعمل إذا جاءت عبارات صريحة في سبب النزول، واختلفوا في تحديد السبب، فهذا يقول: حدث كذا فأنزل الله كذا وذكر هذه الآية، وآخر يقول مثله، ويذكر نفس الآية؟ فنقول: هنا ننظر أولًا في صحة السند وثبوته، إن ثبت السند في الروايتين فلا مانع من أن نقول عندها: إن الآية نزلت عقب هذين السببين. أو أن نقول: إن الآية تكرر نزولها.
المسألة الثانية التي يشملها كلام شيخ الإسلام هي: هل يصح القول بتكرار نزول القرآن؟
من العلماء من قال: إنه لا يصح القول بتكرار نزول القرآن، قال: لأنه تحصيل حاصل يقول: لأن الآية نزلت فما المعنى من نزولها مرة ثانية؟، والواقع: أن هذا القول قول باطل لا أعرف قائلًا له من السلف، إنما قاله بعض المتأخرين وتبنوه، ولكن الصواب: أنه لا مانع من القول بتكرار نزول القرآن بل جاءت أدلة نبوية تدل على تكرار نزول القرآن منها: حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أُنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شافٍ كاف" [النسائي] ، فإن هذا الحديث يدل على أن القرآن تكرر نزوله، وتقرير ذلك أن نقول: إن القرآن أول ما نزل لم ينزل على سبعة أحرف، إنما نزل على حرف من هذه الأحرف ثم في كل مرة ينزل على حرف آخر كما تفيده روايات هذا الحديث فإنه يقول:"نزل عليَّ جبريل بالقرآن فأقرأني إياه على حرف فاستزدته فزادني حرفًا"، فإنه يدل على تكرار النزول.
والواقع أيضًا يدل على هذا، فإن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف إنما وقع في المدينة، فقد جاء في إحدى روايات هذا الحديث عن أبي بن كعب أنه قال: (أتى جبريل الرسول صلى الله عليه وسلم عند أحجار المراء) ، فسمى هذا الموضع - وهو موضع معروف في المدينة -"عند أحجار المراء عند أضاة بني غفار"، وهو موضع معروف بالمدينة. والمقصود بالأضاة: هو الفرع المائي الصغير، مسيل الماء المتفرع من مسيل صغير، هذا يسمى: (أضاة) . فإذا كان أصغر منه قليلًا يسمى: (سَرِي) ، (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) (مريم: من الآية24) . كانت قبيلة بني غفار تنزل عند هذه الأضاة عند هذا المسيل من مسيل الماء، فالرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذكر أن جبريلًا أتاه عند أضاة بني غفار وعند أحجار المراء، فهذا اسم مكان في المدينة مما يدل أن القرآن نزل في مكة على حرف ثم جاء التخفيف بعد ذلك في المدينة، يعني: استمر ينزل عشر سنوات على حرف واحد، ولذلك عثمان رضي الله عنه لما جمع القرآن قال: (إذا اختلفتم فاكتبوه على لسان قريش فإنه به نزل) [البخاري] . أي: في النزلة الأولى.
فهذا فيه دليل على أن القرآن تكرر نزوله.
وعليه فإن دعوى أن القرآن لم يتكرر نزوله، وأن تكرار نزوله تحصيل حاصل، دعوى يكفي في ردها أن نقول: لا سلف لقائلها، ويتأيد هذا بأن نقول: وقد قامت أدلة تدل على بطلان قوله، فإذا لم يكن هناك مانع شرعي من تكرار النزول؛ فكذا أيضًا لا مانع شرعي من تكرار سبب النزول.
ولعل هذا يوضح بعض الأمور، فمثلًا: الشائع عند العلماء أن سورة (الكوثر) مكية، حتى إنه في آخرها أشار إلى الوليد بن عقبة بقوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (الكوثر:3) ، من كفار قريش، الشائع عندهم أنها مكية، فإن ثبت سند بذلك فهي مكية، لكن أخرج مسلم في الصحيح عن أنس بن مالك قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم أفاق، فقلنا: يا رسول الله! ما إغفاءتك تلك؟ قال:"أنزل عليَّ آنفًا: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) . وأنس بن مالك كان في المدينة، إذًا هذه السورة على هذا الحديث في صحيح مسلم تكون مدنية، فإذا قام دليل صحيح صريح أن السورة مكية؛ عندها نجمع بين هذين القولين: بتكرار النزول."
خذوا مثلًا: المعوذات، المشهور عند أهل التفسير أنها مكية، والذي ورد في كتب الحديث أنها نزلت لما سحر لبيد بن الأعصم اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل عليه جبريل وحلَّ عنه عُقَد السحر بأن تلا عليه إحدى عشرة مرة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص:1) ، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) (الفلق:1) ، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (الناس:1) وأنها أُنزلت عليه في هذه القصة فكيف نجمع؟ فالجواب: إن صحَّ مستند أهل التفسير في أن هذه السورة نزلت في مكة؛ فنجمع بين الروايات بتكرار النزول.