الصفحة 44 من 94

وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُتَوَاطِئًا فَيَكُونُ عَامًّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهِ مُوجِبٌ فَهَذَا النَّوْعُ إذَا صَحَّ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَانَ مِنْ الصِّنْفِ الثَّانِي [1] .

(1) هذا تعليق مختصر في معرفة الألفاظ يساعد - إن شاء الله تعالى - على فهم كلام المصنف رحمه الله، فأقول:

الألفاظ في اللغة على أنواع:

النوع الأول: الألفاظ المتباينة:

وهي أن يستقل كل لفظ بمعنى يختلف فيه عن الآخر، فالجمل غير الكرسي غير الحصان غير الهرة، يستقل كل لفظ بمعناه عن الآخر، وهكذا غالب ألفاظ اللغة من قبيل الألفاظ المتباينة، ويسمي هذا النوع بعضهم (متباين لفظي) ، فلكل لفظة معنى تختلف به عن الأخرى.

النوع الثاني: الألفاظ التي هي من قبيل المشترك اللفظي: وهي أن يأتي لفظ واحد وله أكثر من معنى، والمعاني مختلفة.

مثل: كلمة (عسعس) بمعنى: أقبل وأدبر، وكلمة (قسورة) بمعنى: الأسد والرامي، وكلمة (قرء) بمعنى: حيض وطهر، وقس على ذلك.

هنا أسماء مشترك لفظي، فتحتمل الكلمة أكثر من معنى.

فإن قيل: كيف يعرف العربي أن المراد هذا أو هذا؟

فالجواب: يعرف ذلك بدلالة السياق، مثال ذلك: كلمة (طاهر) هي من باب المشترك اللفظي لأنها تحتمل أكثر من معنى. فتحتمل كلمة (طاهر) بأنه: ليس بنجس، وتحتمل بمعنى: أنه على غير حدث، فهو ليس بنجس لكنه محدث، فهو من ارتفع عنه الحدث، وتحتمل معنى: مسلم مؤمن، فيصير المشرك نجسًا، وقد جاء في القرآن (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (التوبة: من الآية28) ، وهذا معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"أما علمت أن المؤمن لا ينجس" [البخاري ومسلم] ، يعني: أنه طاهر، عندنا أيضًا بمعنى: الطهارة المعنوية التي هي بمعنى حِلُّ الشئ، يقابلها: النجاسة المعنوية التي هي بمعنى تحريم الشيء. فنحن نقول: الخمر نجسة نجاسة معنوية بمعنى أنها محرمة، ومن الفقهاء من يقول: الخمر نجسة نجاسة عينية.

فإذًا كلمة (طاهر) لها خمسة معانٍ، هذا مشترك لفظي.

كلمة (طاهر) ومشتقاتها يتحدد معناها بحسب السياق. خذ مثلًا: يقول صلى الله عليه وسلم:"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فإن طهوره أن يغسله سبع مرات إحداهن بالتراب". وفي رواية:"أولاهن بالتراب". قال:"طهور"فمالمراد بالطهارة هنا؟ نقول: الإناء لا يتعرض للحدث، وليس بمؤمن ولا كافر، وليس بحلال ولا حرام، إذًا الذي يقابل الطهارة هنا: هو إزالة النجاسة، هذا السياق دل على المعنى.

قوله تعالى: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة:79) ، ما معنى (المطهرون) ؟

نقول: الكلام هنا عن الملائكة، والمعنى هنا في الملائكة يشمل الطهارة من الحدث، ويشمل الطهارة من النجس لأنهم ملائكة لا يُحدِثون ,لا يَنجُسُون.

إذًا المشترك اللفظي: أن تأتي لفظة واحدة تحتمل أكثر من معنى مختلف، والعربي يعرف المعنى المراد بحسب السياق.

أحيانًا لا يمتنع العربي من حمل اللفظة التي هي من قبيل المشترك اللفظي على جميع معانيها لعدم قيام مانع يمنع من هذا الحمل، وهذا عليه جمهور أهل العلم، أن المشترك اللفظي لا مانع من حمله على جميع معانيه ما لم يمنع من ذلك مانع.

هذه القاعدة في معنى المشترك اللفظي هي سبب اختلافهم في معنى حديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه:"أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، فاختلفوا في معنى (طاهر) ، فقال بعض العلماء: كلمة (طاهر) محتملة لهذه المعاني كلها فلا نفسرها بأي معنى من المعاني فنتوقف، ورُدَّ عليه بأنه لا مانع من حمل كلمة (طاهر) على جميع المعاني السابقة، فلا يمس القرآن محدث، ولا يمس القرآن نجس، ولا يمس القرآن كافر، ولا يمس القرآن بأمر حرام، وما دام يجوز حمل اللفظ على كل هذه المعاني؛ إذًا الحديث يكون دليلًا على جميع هذه المعاني.

النوع الثالث: الألفاظ المتضادة: وهي نوع من المشترك اللفظي: أن يأتي لفظ واحد له معنيان مختلفان، ولكن يضاد كل منهما الآخر مثل: كلمة (عسعس) لها معنى (أقبل) ، ولها معنى (أدبر) ، لكن تلاحظ أن: أقبل وأدبر معنيان متضادان. مثل كلمة: (قرء) لها معنيان: الطهر والحيض وهما متضادان.

النوع الرابع: الألفاظ المترادفة: أن يأتي معنى واحد له أكثر من لفظ.

مثل: آلة الحرب السيف، اسمه: سيف، وحسام، وفيصل، ومهند. ومثل: الأسد اسمه: أسامة، وليث وهِزَبْر، وهشام وضرغام، هذه الألفاظ التي فيها معنى واحد وله أكثر من اسم يقال عنها ألفاظ مترادفة.

وقد اختلف أهل اللغة هل يوجد المترادف في لغة العرب أم لا يوجد؟

من العلماء من قال: لا يوجد في لغة العرب ألفاظ مترادفة، ومن العلماء من قال: إنه يوجد فيها ذلك، والصحيح: أنه يوجد في لغة العرب ألفاظ مترادفة بمعنى أنها تتشابه في أصول معانيها بمعنى: أنها تشترك في معنى واحد لكن لكل لفظ التنبيه على صفة ليست في اللفظ الآخر.

خذ مثلًا: السيف والحسام والمهند والفيصل، كلها أسماء للآلة التي يقاتل بها الناس فهي مشتركة في أداء هذا المعنى، لكن كل اسم من الأسماء ينفرد بذكر صفة في هذه الآلة لم يذكرها الاسم الآخر، فتسميته بالمهند: إشارة إلى أنه يستعمل بالزند والساعد، وتسميته بالفيصل: إشارة إلى أنه يستعمل في فصل الأمور والأشياء، وتسميته بالحسام: إشارة إلى أنه يحسم به الأشياء، (سبق السيف العذْل) ، وتسميته بالسيف: هو اسمه الأصلي. وعلى هذا القول يوجد مترادف بمعنى: أن تشترك الأسماء في أصل المعنى لكن مع هذا لكل لفظة معنى زائد لا تذكره اللفظة الأخرى.

الكتب المصنَّفة في هذا الباب: هي كتب فقه اللغة، كتاب (فقه اللغة) للثعالبي، هذا موضوعه، (المحْكَم) لابن سيده في معاني الألفاظ هذا موضوعه. فمثلًا: تقول كان متكئًا فجلس، ولا تقل: كان متكئًا فقعد، لأن الجلوس يكون عن اتكاء والقعود يكون عن قيام. كل من القعود والجلوس مشترك بمعنى واحد وهو أن الإنسان يستوي على الأرض لكن لكل لفظة تنبيه على صفة ليست عند الأخرى، فقولنا: (كان متكئًا فجلس) كلمة (جلس) تنبه على أن هذا الاستواء على الأرض كان عن اتكاء، أما قولنا: (كان واقفًا فقعد) كلمة (قعد) تنبه على أن هذا الاستواء على الأرض كان عن قيام. (اهـ الدرس الخامس) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت