الصفحة 46 من 94

وَمِنْ الْأَقْوَالِ الْمَوْجُودَةِ عَنْهُمْ وَيَجْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ اخْتِلَافًا أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ الْمَعَانِي بِأَلْفَاظِ مُتَقَارِبَةٍ لَا مُتَرَادِفَةٍ فَإِنَّ التَّرَادُفَ فِي اللُّغَةِ قَلِيلٌ [1] .

(1) (الدرس السادس 29/ 7/1423هـ)

تكلمنا في الدرس السابق عن أنواع الألفاظ في اللغة وهي: المتباينة، والمشترك اللفظي، والمترادفة، والمتضادة، ويبقى من أنواع الألفاظ.

النوع الخامس: الألفاظ المتواطئة، وهي: أن يوجد اللفظ له معنى واحد، وهذا المعنى له أفراد كثيرون.

مثل: كلمة (إنسان) ، فإنها تصدق على زيد وعلى صالح، وعلى ناصر، وعلى محمد، وعلى هند وعلى علياء، وعلى زينب، وغير ذلك، هذا اسمه متواطئ لفظي. تأتي لفظة واحدة تصدق على أفراد كثيرين، مثل: كلمة (بلد) تطلق على مكة وجدة والمدينة والرياض، ومثلها كلمة (مدينة) أيضًا فهي متواطئ لفظي.

إذًا اللفظ الذي يصدق معناه على أفراد كثيرين يسمى متواطئ لفظي.

يشترط في هذا المتواطئ اللفظي: أن يكون صِدق اللفظ على هذه الأفراد متساويًا، فلا فرق بين علي وناصر وسالم في صفة رجل، فكلهم رجل، لأن كلمة (رجل) تصدق عليهم بالتساوي.

النوع السادس: المشكك اللفظي (الألفاظ المشككة) : وهي أن يأتي اللفظ يصدق معناه على كثيرين، لكن لا على التساوي، فنقول: هذا المعنى موجود هنا وموجود هنا، لكن في أحدهما وجوده أولى من الآخر.

مثل: لفظة (وجود) ، و (حياة) ، فإن لفظة (حياة) تصدق على حياة الله عز وجل، وتصدق على حياة الإنسان، وعلى حياة المخلوقات مثل: النباتات، لكن صفة الحياة كصفة كاملة هي لله سبحانه وتعالى على الوجه اللائق بجلاله وبكماله سبحانه.

مثلًا: الحياة الدنيا، وحياة الآخرة، فإن الحياة الحقيقة هي حياة الآخرة، فإن لفظة (حياة) من قبيل المشكك اللفظي، لأن لها أكثر من فرد تصدق عليه ولكن ليس على وجه التساوي.

مثل: لفظ (شجاعة) فأنت قد تقول: زيد شجاع، وعنترة شجاع، لكن في عنترة صفة الشجاعة أكثر من زيد، فصفة الشجاعة من قبيل المشكك اللفظي، لأن معناها يصدق على عدة أفراد لا على وجه التساوي.

مثل: صفة (الإيمان) من الألفاظ المشككة، فالناس ليسوا على التساوي وفي وصف الإيمان، لكن الموصوفين بالإيمان كُثُر.

إذا فهمتم هذه المقدمة ستفهمون - إن شاء الله - كلام شيخ الإسلام الذي وقفنا عنده.

يقول شيخ الإسلام: (مثل كلمة: قسورة، فإن المراد بها الرامي، ويراد بها الأسد) . إذًا لفظة (قسورة) الآن مشترك لفظي، إذ إن هذه اللفظة لها معنيان: الأول: الرامي، والثاني: الأسد، فقد يأتي في كلام المفسرين تفسير كلمة (قسورة) بالرامي، وقد يأتي كلام آخرين تفسيرها بالأسد ولا تنافي بينهما، لأن هذه اللفظة من قبيل المشترك اللفظي.

كذلك قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى) ، قول من أقوال أهل التفسير: أن الضمير يعود إلى جبريل عليه السلام، وقول آخر يقول: إن الضمير يعود إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الضمير من قبيل الألفاظ المتواطئة، وهو اللفظ الذي يصدق على كثيرين.

فتفسير الضمير: بجبريل - عليه السلام - أو بمحمد صلى الله عليه وسلم، مما يحتمله اللفظ، لأن اللفظ من قبيل الألفاظ المتواطئة.

وكذلك قوله تعالى: (والشفع والوتر) ، يصدق على صلاة الليل أنها شفع ووتر، وقد يصدق على أمور أخرى مثل ليلة القدر، وقد تجد في كلام أهل التفسير تفسيرها بأمور أخرى يصدق فيها أنها شفع ووتر، لأنها من هذا القبيل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلُّ الْمَعَانِي الَّتِي قَالَهَا السَّلَفُ وَقَدْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ) ، فالأول الذي يجوز فيه أن يكون مرادًا للسلف: أن تكون جميع هذه الأقوال داخلة في الآية.

قال شيخ الإسلام: (إمَّا لِكَوْنِ الْآيَةِ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ فَأُرِيدَ بِهَا هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَعْنَيَاهُ إذْ قَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنْبَلِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُتَوَاطِئًا فَيَكُونُ عَامًّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهِ مُوجِبٌ فَهَذَا النَّوْعُ إذَا صَحَّ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَانَ مِنْ الصِّنْفِ الثَّانِي) . أشار الشيخ الآن إلى مسألة تكرار النزول وقد سبق ولله الحمد بيانها، وأن الصحيح أن الدليل الشرعي يقرر جواز تكرار نزل القرآن.

إذا تقرر عندنا جواز نزول القرآن؛ فلا مانع أن ينزل القرآن أولًا ليقرر معنى من المعاني التي يحتملها لفظ الآية ثم ينزل ثانيًا ليقرر فيه معنى آخر، والمعنيان لا تنافي بينهما.

أو أن يكون تعدد المعنى: أن اللفظ الذي جاء في الآية من قبيل المشترك اللفظي، وعند العلماء: لا مانع من أن يفسر اللفظ الذي هو من قبيل المشترك اللفظي بجميع معانيه بشرط أن لا يكون هناك تمانع أو تنافي بينهم، أو أن لا يقوم دليل على تحديد أحد هذه المعاني. وهذا موطن ينبغي أن يتفطن له المسلم، إذا إن هناك آيات بل وأحاديث تحتمل أكثر من معنى ولا تمانع بينهما، ولا مانع من تفسير الأحاديث بهذا المعنى أو الآية بهذا المعنى وهذا المعنى، إلا إذا قام دليل يمنع، كأن يقوم دليل على تحديد أحد هذه المعاني في المشترك اللفظي، أو أن تقوم علة تمنع حمل المشترك اللفظي على جميع معانيه.

وقد نبَّه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - إلى أن القول بجواز حمل المشترك اللفظي على جميع معانيه هو قول الأكثر من أهل العلم.

أو أن تكون اللفظة في الآية من قبيل المتواطئ اللفظي الذي يصدق على كثيرين فيكون هذا النوع من الصنف الثاني الذي فيه التفسير من باب ضرب المثال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت