الصفحة 47 من 94

وَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ فَإِمَّا نَادِرٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ [1] .

وَقَلَّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ بِلَفْظِ وَاحِدٍ يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْنَاهُ ; بَلْ يَكُونُ فِيهِ تَقْرِيبٌ لِمَعْنَاهُ وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ إعْجَازِ الْقُرْآنِ [2] .

(1) وهذا سر! الذين تأملوا في نظم القرآن الكريم وجدوا أن من إعجاز اللفظ القرآني: أن الآية إذا سيقت لمعنى لا يستطيع إنسان أن يأتي بلفظ يؤدي هذا المعنى كما جاء في لفظ الآية، وهذا حقيقة الإعجاز في النظم القرآني. أن كل لفظة في القرآن الكريم مهما أتيت بلفظة أخرى لا تقوم مكانها في أداء المعنى.

مثلًا: علماء البلاغة قالوا: قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) (يوسف: من الآية17) قالوا: تفيد من المعنى ما لا تفيده لو قال: (بمصدِّق لنا ولو كنا صادقين) ، قالوا: لأن قوله: (بِمُؤْمِنٍ لَنَا) ، أي: أنت لم تركن لنا ولم تطمئن لنا حتى لو علمتَ أن كلًا منا يوافق الواقع، فهم أرادوا أن يصفوا اطمئنانه إليهم لا مجرد قبول الخبر، فلو أنه جاء بلفظة (بمصدِّق) بدل لفظة (بمؤمن) ؛ لذهب هذا المعنى، مع أن اللفظتين تشتركان في معنى التصديق.

كلمة (مؤمن) تفيد معنى التصديق مع الأمن والاطمئنان والركون إلى الشيء، زيادة على كلمة (مصدق) ، فجاء التعبير القرآني (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) ، لينبه على هذا المعنى الذي يزول لو أبدلت كلمة (مؤمن) بكلمة (مصدق) .

خذوا مثالًا آخر: (ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) (البقرة: من الآية2) ، لماذا جاءت هنا كلمة (الكتاب) ولم تأت بكلمة (القرآن) ؟

قالوا: لأن كلمة (القرآن) تفيد الإشارة إلى هذا الكلام بوصف أنه ملفوظ، لأنه يُقرأ ويلفظ دون تأكيد على معنى الجمع والضم، بينما كلمة (الكتاب) تفيد معنى القراءة وزيادة عليها معنى الضم والجمع وأيضًا شمول مجموع القرآن الكريم، وهذا المعنى لا تفيده كلمة (القرآن) بمفردها لو جاءت في هذا المحل.

إذ إن المقصود بهذا المحل نفي الريب، فالريب منفي ليس عن مجرد اللفظ بل حتى عن المكتوب، فجاء التعبير بالكتاب ليشمل هذه المعاني الثلاثة.

المعنى الأول: لما تفيده كلمة (الكتاب) من أن كل مكتوب مقروء، فتشمل القراءة لنفي الريب عنه كونه مقروءًا.

المعنى الثاني: نفي الريب عنه كونه مكتوبًا.

والمعنى الثالث: نفي الريب عنه جميعه من أوله إلى آخره بخلاف كلمة (القرآن) فإن الإشارة فيها إلى القراءة دون المعاني الأخرى، فكان المناسب لهذا السياق أن يقول: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) باسم (الكتاب) دون اسم (القرآن) أو (الفرقان) أو كلمة (تنزيل) ، جاء بكلمة (الكتاب) للإشارة إلى هذه المعاني التي يشملها هذا اللفظ دون غيره.

وهكذا مهما جئت إلى لفظ من ألفاظ القرآن في آية وأردت أن تبدله بلفظ آخر يشترك معه في أصل المعنى؛ فإنك مهما جئت بلفظ لا يساوي اللفظ القرآني، ولذلك أهل التفسير الذين درسوا البلاغة القرآنية والإعجاز القرآني يرفضون القول بالترادف في اللغة وفي القرآن الكريم. وهذا موضوع فقه اللغة.

مثلًا يقولون: قل: كان متكئًا فجلس ولا تقل: فقعد، لأن القعود إنما يكون عن قيام، قل: كأس، إذا كان مملوءًا، وقل: زجاج، أو إناء إذا كان فارغًا، هذا كله فقه اللغة يبعد الترادف عن الألفاظ، لأنه عين من عيون إعجاز القرآن في النظم والبيان هو هذا الذي ذكرناه قبل قليل، ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم) .

(2) هذا من أسباب إعجاز القرآن الكريم في النظم. بعد ذلك سيورد لنا شيخ الإسلام ابن تيمية أمثلة لأقوال بعض المفسرين في تفسير كلمات من القرآن كل واحد يحاول تفسير اللفظة القرآنية بلفظة مقاربة لها، فيقول هذا الاختلاف سببه: أنهم يُعَبِّرون عن اللفظ بلفظ قريب منه.

في مثل هذا النوع من الاختلاف في تفسير القرآن يستحسن جمع كل كلام السلف فإن المعنى سيكون في مجموع هذه العبارات، فإن كل مفسِّر سيهتم ببيان لفظة تفيد معنى تدل عليه لفظة الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت