فهرس الكتاب
فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} إنَّ الْمَوْرَ هُوَ الْحَرَكَةُ كَانَ تَقْرِيبًا إذْ الْمَوْرُ حَرَكَةٌ خَفِيفَةٌ سَرِيعَةٌ [1] .
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ:"الْوَحْيُ"الْإِعْلَامُ، أَوْ قِيلَ: {أَوْحَيْنَا إلَيْكَ} أَنْزَلْنَا إلَيْك أَوْ قِيلَ: {وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرائِيلَ} أَيْ أَعْلَمْنَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا كُلُّهُ تَقْرِيبٌ لَا تَحْقِيقٌ، فَإِنَّ الْوَحْيَ هُوَ إعْلَامٌ سَرِيعٌ خَفِيٌّ، وَالْقَضَاءُ إلَيْهِمْ أَخَصُّ مِنْ الْإِعْلَامِ فَإِنَّ فِيهِ إنْزَالًا إلَيْهِمْ وَإِيحَاءً إلَيْهِمْ [2] .
وَالْعَرَبُ تُضَمِّنُ الْفِعْلَ مَعْنَى الْفِعْلِ وَتُعَدِّيهِ تَعْدِيَتَهُ وَمِنْ هُنَا غَلِطَ مَنْ جَعَلَ بَعْضَ الْحُرُوفِ تَقُومُ مَقَامَ بَعْضٍ كَمَا يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ} أَيْ مَعَ نِعَاجِهِ و {مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ} أَيْ مَعَ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ [3] .
(1) يعني: إذا فسَّر مفسر (الموْر) بالحركة؛ كان قوله بأن الموْر هو الحركة من باب التفسير بتقريب معنى الموْر، وإلا ليس مجرد الحركة هو معنى الموْر، إذ (الموْر) : حركة خفيفة سريعة. مثل: كلمة (الوحي) قد تجد من يفسرها بالإعلام، يقول: الإعلام من معاني الوحي، لكن ليس هو معنى الوحي ككل، إذ إن الوحي: إعلام بسرعة وخُفية ليس مجرد إعلام.
فقد تجد في كلام المفسرين شيئًا من هذا الباب، وهو تقريب معنى اللفظ القرآني بمعاني من اللغة العربية لا لإيراد حصر كل معنى اللفظ القرآني.
(2) يعني يقول: (وقضينا إلى بني إسرائيل) معناه: أنه أوحى إليهم وأعلمهم وأنزل إليهم وأوجب عليهم، وهذه الأربعة كلها من معاني كلمة (قضينا) وكلها مرادة في هذا النص، قد تجد من أهل التفسير من يفسر (قضينا) بأعلمنا، أو حمكنا، أو أنزلنا، يقول: هذه كلها معانٍ لتقريب معنى اللفظ لا لتحقيق معنى اللفظ، فإن هذا يختلف عن هذا، إذ لا تجد ألفاظًا مترادفة في اللغة.
(3) من المسائل التي تأتي عند التفسير ويحتاجها المفسر: أنه قد يجد في الآية القرآنية فعلًا يُعدَّى بغير فعل التعدية المعروف له في اللغة العربية، فيلجأ بعض المفسرين إلى أن يقول: حرف التعدية هذا، مثلًا (على) يراد به (من) مثلًا، أو يقول: (إلى) يراد به معنى (على) ، .. الخ.
مثل هذه الآية قوله تعالى: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِه) (صّ: من الآية24) ، فيأتي بعض أهل التفسير فيقول: (إلى) بمعنى (مع) ، فيصير معنى الآية: لقد ظلمك بسؤال نعجتك مع نعاجه.
شيخ الإسلام يقول: هذا خطأ، لا يوجد عندنا في اللغة العربية حروف تنوب عن حروف، والصحيح: أنه يُضَمَّن الفعل معنى آخر وقوله: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِه) ، أراد بكلمة (سؤال) أي: ضم وإلحاق، فالمعنى حينئذٍ يكون أي: ظلمك بإدخال وضم نعجتك إلى نعاجه، فجعل فعل (سؤال) مضمن فعلًا آخر وهو فعل الضم، أو فعل الجمع، ولم يقل بتناوب الحروف.
وهذه مسألة من المسائل المهمة لأنه يستسهل بعض الناس أن يقول: هنا حرف ناب عن حرف كذا.
[وقد عقد ابن هشام في كتابه (مغني اللبيب) الباب السادس في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها، وذكر منها ص861، قولهم:"ينوب بعض حروف الجر عن بعض"، وقال:"هذا مما يتداولونه ويستدلون به، وتصحيحه بإدخال (قد) على قولهم:"ينوب ..."، وحينئذ يتعذر استدلالهم به، إذ كل موضع ادعوا فيه ذلك يقال لهم فيه: لا نسلم هذا مما وقت فيه النيابة، ولو صح قولهم لجاز أن يقال: مررت في زيد، ودخلت من عمرو، وكتبت إلى القلم، على أن البصريين ومن تابعهم يرون في الأماكن التي ادعيت فيها النيابة أن الحرف باق على معناه، وأن العامل ضمن معنى عامل يتعدى بذلك الحرف، لأن التجوز في الفعل أسهل منه في الحرف"اهـ
وذكر في الباب الثامن الذي عقده في ذكر أمور كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، ذكر ص897"القاعدة الثالثة: قد يشربون لفظًا معنى لفظ فيعطونه حكمه، ويسمى ذلك تضمينًا، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين"اهـ
وهذه المسألة من مسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين، فالقول بجواز جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض، هو قول أكثر الكوفيين، بخلاف البصريين. انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين (1/ 266) ، الجنى الداني ص46، مغني اللبيب ص150 - 151. ونصر قول البصريين ابن جني في الخصائص (2/ 306 - 310، 435) ، ونسبه للمحققين المرادي في الجنى الداني ص46، ونسب ابن القيم في بدائع الفوائد (2/ 21) طريقة الكوفيين إلى ظاهرية النحاة، ومذهب البصريين إلى فقهاء أهل العربية.]
الله سبحانه وتعالى يقول عن فرعون لما توعَّد بني إسرائيل وتهددهم قال: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل) (طه: من الآية71) ، بعض المفسرين يقول معناها: على جذوع النخل، لأن التصليب إنما يكون على جذوع النخل ولا يكون فيه.
بتطبيق القاعدة التي قالها شيخ الإسلام ابن تيمية نقول: هذا الكلام خطأ، فإن الحروف لا ينوب بعضها عن بعض، ولكن ضُمِّن معنى التصليب معنى (الغرس) ، فكأنه قال: لأغرسن أبدانكم في جذوع النخل، أي: أدخلها، فأفادت الآية أنه لم يُرِدْ - فقط - أنه يعلقهم على جذوع النخل؛ بل إنه يأتي بالمسامير فيغرسها في لحومهم حتى تدخل لحومهم داخل الشجر. فبقي حرف (في) في قوله: (في جذوع النخل) على أصله.
والسر في التفسير الثاني هذا: أنه ضُمِّن معنى الفعل (لأصلبنكم) معنى فعل آخر وهو (لأغرسنَّ) ، فيصير معنى الآية (( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل) أي: لأغرسنَّ لحومكم في جذوع النخل، فهو لم يُرِد - فقط مجرد التصليب، لأن التصليب قد يكون: تعليق الشيء بدون غرس بالمسامير وهذا المعنى غير مراد، وإنما أراد أن يغرس لحومهم في جذوع النخل حتى تصير فيها، فجاء حرف (في) لإفادة هذا المعنى، ولو قلت: (في) ناب عن حرف (على) ، وأصل الكلام: لأصلبنكم على جذوع النخل، لما أفدت المعنى المراد، وقصرت في فهم الآية.
فلا تقل: إن الحرف ينوب عن حرف آخر، ولكن قل: الفعل هنا ضُمِّن معنى فعل آخر يتناسب مع حرف التعدية.