فهرس الكتاب
وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ نُحَاةُ الْبَصْرَةِ مِنْ التَّضْمِينِ فَسُؤَالُ النَّعْجَةِ يَتَضَمَّنُ جَمْعَهَا وَضَمَّهَا إلَى نِعَاجِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ} ضُمِّنَ مَعْنَى يُزِيغُونَك وَيَصُدُّونَك [1] .
(1) المناسب لفعل (فَتَنَ) تقول: لا تَفْتِنِّي في كذا، لا تَفْتِنِّي في ديني، فالمناسب أن يقول: لَيَفْتِنونك في الذي أو حينا إليك، لكنه قال: (لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك) (الإسراء: من الآية73) ، بعض المفسرين بطريق الخطأ يقول: (عن) بمعنى (في) ، فيصير معنى الآية: (وإن كادوا ليفتنونك في الذي أوحينا إليك) ، كقولك: لقد كاد أن يَفْتِنِّي في ديني، لأن فعل (فَتَنَ) يتعدَّى بـ (في) ، لكن شيخ الإسلام يقول: لا، هذا من باب تضمين الفعل معنى فعل آخر، فيكون معنى (ليفتنونك) ضُمِّن معنى: يزيغونك، ويحرفونك، ويحيدونك، فلما كان هذا الفعل مضَمَّنًا معنى فعل آخر جاء بحرف التعدية (في) ، فقال: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك) أي: يزيغونك، ويحرفونك، ويحيدونك، عن الذي أوحينا إليك، فليس مجرد معنى الآية: أنهم فتنوك وأنت باقٍ، لا، الآية تُبَيِّن أنهم لم يقتصروا على مجرد تشكيكه في شيء وهو باقٍ عليه؛ بل إخراجه عن الصراط السويِّ وإحرافه عنه وزيغانه عنه، ولهذا جاء بحرف الجر (عن) ، وبهذا الأسلوب تكتسب الآية معنى: الفتنة ومعنى الزيغان.
قد يقول قائل: لماذا لم يأتِ أصلًا بالفعل المضمَّن الذي يناسب حرف التعدية الذي ذُكر في الآية؟
نقول: لكي تشتمل الآية على معنى الفعلين، معنى فعل الفتنة، ومعنى فعل الزيغان.
قد تقول: ما الضابط لهذا؟
نقول: الضابط هذا الحرف، حرف التعدية فإنه هو الذي يشير إلى الفعل المضمَّن، وعلى المفسِّر أن ينظر في السياق والسباق، وينظر في الفعل المضمن المناسب لهذا الموضوع.
فالذين يستسهلون هذه القضية ويقولون: هذا من باب تناوب أحرف الجر؛ فعلهم هذا خطأ لا يتناسب مع عظمة الأسلوب القرآني الذي لم يأتِ فيه لفظ ولا حرف إلا لمعنى.
وانظروا إلى قوله سبحانه وتعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) (البقرة: من الآية49) ، جاءت هذه الآية نفسها في سورة إبراهيم: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُم) (إبراهيم: من الآية6) ، لا فرق بين الآيتين إلا بحرف العطف (الواو) ، ففي سورة إبراهيم: (ويذبحون أبناءكم) ، وفي سورة البقرة: (يسومونكم .... يذَبِّحون) بدون (الواو) ، فزيادة حرف (الواو) في سورة إبراهيم أفاد معنى غيره لما لم يكن في البقرة.
تفسير آية البقرة: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) ما هو (سوء العذاب) ؟ هو: ذبح الأبناء، واستحياء النساء، فأفاد أن سوء العذاب هو هذا، بينما في سورة إبراهيم قال: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) ، فسوء العذاب أشياء، (وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُم) ، فالواو أفادت أن سوء العذاب شيء آخر غير هذا المذكور، فدل ذلك على أن سوء العذاب أشياء كثيرة منها هذا، بينما في البقرة حصر فقط، فيكون في البقرة اقتصر على أهم أنواع العذاب، وفي سورة إبراهيم أشار إلى تعدد أنواع العذاب، ومنها هذا المذكور وهو ذبح الأبناء واستحياء النساء، فالمعنى زاد بزيادة حرف الواو.
فالتعامل مع القرآن بهذه الخصوصية هو الذي يظهر المعاني، أما تأتي وتستسهل الأمر وتقول: هذا الحرف ناب عن حرف آخر، فهذا الكلام لا يتناسب مع الأسلوب القرآني وهو غلط في التعامل مع القرآن، هذا قد يصح في كلام الناس العاديين لكن لا يصح مع القرآن الكريم الذي لم يأت فيه حرف ولا لفظ إلا لمعنى.
تأملوا قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: من الآية30) قال: في الأرض.
وفي الآية الأخرى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) (الفرقان: من الآية63) ، طبعًا هنا لا يوجد تضمين فعل معنى فعل لأن فعل (يمشي) يتعدى بحرف الجر (على) فلا يوجد تضمين، لأننا قلنا: علامة التضمين، أن يأتي حرف التعدية غير مناسب مع الفعل الظاهر مما يشير إلى معنى فعل آخر، هذا علامة التضمين في الفعل ن لكن لما يأتي حرف التعدية متناسبًا مع الفعل فهذا ليست فيه إشارة إلى تضمين فعل معنى فعل. (هذا هو الضابط) .
نرجع إلى الآية قال: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ) لماذا لما ذكر آدم عليه الصلاة والسلام وأنه سيكون في الأرض استعمل حرف (في) (في الأرض) ، ولما ذكر عباد الرحمن - وآدم من عباد الرحمن - قال: (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ) ؟
قالوا: لاختلاف المقامين، فالمقام الأول: كان مقام ذكر التمكين والإنزال إلى الأرض، وهذا يناسب حرف الظرفية (في) ، أما في المقام الثاني: هو لبيان صفات عباد الرحمن، فمن صفاتهم أنهم يمشون باستعلاء في الأرض، هذا الاستعلاء الإيماني الذين يستعلون به على رغبات الدنيا وشهواتها يناسبه أن يكون (يمشون على الأرض) .
ولما ذكر طلب الإنسان وسعيه للرزق ذكر (في) قال: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15) ، لأن فعل التعدية (مشى) يناسب الحرف (على) لكن هو قال هنا (في) لماذا؟
لأن المقام مقام ذكر الرزق، وكأن المعنى: اسكنوا وامشوا في مناكبها في سهولها في جبالها واطلبوا الرزق الذي فيها، فكان المناسب لمعنى الآية هنا: أن يأتي الفعل مضمَّنا معنى طلب الرزق والسكنى فجاء بحرف الجر (في) مع المشي فقال: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) لأن المقام مقام طلب الرزق، والفعل ضُمِّن معنى السكون والاستقرار، استقروا في، اسكنوا في، بينما لما ذكر المؤمنين وكان المقام مقام استعلائهم على الأرض جاء بالفعل على ظاهره وحرف التعدية المناسب له على ظاهره للإشارة إلى معنى آخر، والذي دلَّ عليه سياق الآية وهو بيان ما عليه أهل الإيمان من الاستعلاء على ما في الأرض.
ولذلك دائمًا شعار المؤمنين في فعلهم للطاعات وتركهم للمعاصي (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) ، (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) يعني: الحياة الحقيقية.