الصفحة 50 من 94

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} ضُمِّنَ مَعْنَى نَجَّيْنَاهُ وَخَلَّصْنَاهُ [1] . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} ضُمِّنَ يُرْوَى بِهَا وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ [2] .

(1) تقول: فلان نصرته على فلان. لماذا عبَّر بحرف التعدية (من) في قوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) ؟

أقول: لأن فعل (نَصَرَ) ضُمِّن معنى فعل آخر وهو الفعل (نَجَّى) (نَجَّيْنَاهُ مِنْ) فكان نصره بنجاته، وكان نجاة بنصر، بينما لو قال: نجيناه من القوم، كان المعنى - فقط - مقصورًا على التنجية دون معنى النصر، لكن لما جاء باستعمال كلمة (نصر) ، وجاء بحرف التعدية (من) أشار إلى معنى النصر والفعل المضمَّن (نَجَّى) فهي نجاة بنصر، لأنه قد تحصل نجاة بذِلَّة وبعدم نصر، فهو قد ينجو من الأمر ولكن بدون نصر، لكن الله عز وجل - هنا - يريد إثبات المعنيين أنهما حصلا معنى النجاة ومعنى النصر فقال: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا) (الأنبياء: من الآية77) ، هذا المعنى لا يوجد إذا قلت: (من) بمعنى (على) إذ المعنى نصرناه على الذين كفروا؛ لذلك غلَّط شيخ الإسلام ابن تيمية الذين يأتون إلى القرآن الكريم، ويقولون: هذه الحروف من باب تناوب الحروف، فيقول: هذا خطأ، وإنما هو من باب تضمين الفعل معنى فعل آخر.

(2) تقول: يشرب من العين، أو يشرب بالعين؟ في اللغة العربية يتعدى فعل (يشرب) بالحرف (من) ، لكن في الآية لماذا قال (يشرب بها عباد الله) ؟

قالوا: ليفيد ذلك معنيين: أفاد معنى شربهم واستمتاعهم بها، ويفيد معنى شربهم وريُّهم بها فجاء بالفعل (يشرب) ، ثم جاء بالتعدية بحرف (الباء) الذي يناسب فعلًا آخر غير (يشرب) وهو فعل (يروى، ويستمتع) ، فقال تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) (الإنسان: من الآية6) ، أي: يشربون ويرتوون ويستمتعون بهذه العين. فهو ليس مجرد شرب من الماء فقط، فلو قال: يشربون منها؛ لم نفهم هل شربهم باستمتاع، هل شربهم بغير استمتاع، هل شربهم بِرِيٍّ، هل شربهم بغير ري، لا يفيد شيئًا، لكن لما قال: (يشرب بها) ؛ أفاد هذه المعاني الثلاثة، أفاد أنهم يشربون منها ويستمتعون بها ويرتوون بها، وانظر ماذا تفقد من المعاني لو قال قائل: (يشرب بها) يعني: يشرب منها!

لماذا أورد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة؟

نقول: أوردها للإشارة إلى ما يأتي من كلام أهل التفسير في تقرير معاني الآيات، فهو يقول: قد يأتي بعض أهل التفسير عند هذه الحروف في القرآن فيفسرها ببعض معناها لا بكل معناها، وإلا فمعنى الآية يشتمل على معانٍ أكثر من هذا المعنى الذي حاول المفسر أن يقرِّب به المعنى المراد في الآية.

فهو ضرب أمثلة على هذا من خلال تقريره لهذه القاعدة: الحروف في القرآن لا يتناوب بعضها عن بعض، ولكن تضمنت معنى أفعال أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت