فهرس الكتاب
وَمَنْ قَالَ:"لَا رَيْبَ لَا شَكَّ"فَهَذَا تَقْرِيبٌ، وَإِلَّا فَالرَّيْبُ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَحَرَكَةٌ [1] ، كَمَا قَالَ:"دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك"، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ:"مَرَّ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ فَقَالَ: لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ" [2] ، فَكَمَا أَنَّ الْيَقِينَ ضُمِّنَ السُّكُونَ وَالطُّمَانِينَةَ فَالرَّيْبُ ضِدُّهُ ضُمِّنَ الِاضْطِرَابَ وَالْحَرَكَةَ.
وَلَفْظُ"الشَّكِّ"وَإِنْ قِيل: إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ هَذَا الْمَعْنَى; لَكِنَّ لَفْظَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: ذَلِكَ الْكِتَابُ هَذَا الْقُرْآنُ فَهَذَا تَقْرِيبٌ; لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَالْإِشَارَةُ بِجِهَةِ الْحُضُورِ غَيْرُ الْإِشَارَةِ بِجِهَةِ الْبُعْدِ وَالْغَيْبَةِ وَلَفْظُ"الْكِتَابِ"يَتَضَمَّنُ مِنْ كَوْنِهِ مَكْتُوبًا مَضْمُومًا مَا لَا يَتَضَمَّنُهُ لَفْظُ الْقُرْآنِ مِنْ كَوْنِهِ مَقْرُوءًا مُظْهَرًا بَادِيًا فَهَذِهِ الْفُرُوقُ مَوْجُودَةٌ فِي الْقُرْآنِ [3] ، فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ:
(1) إذًا (لا ريب) ليست هي مجرد (لا شك) ، يقول: الريب: شك واضطراب وعدم استقرار وعدم طمأنينة وهدوء، فهو اضطراب وحركة، هذا هو الريب، فلما نفى الله عن القرآن قال: (لا ريب فيه) ، فالريب يشمل جميع هذه المعاني، فإذا وجدت من كلام أهل التفسير من قال: (لا ريب) بمعنى (لا شك) ، ومن قال: (لا ريب) أي: لا قلق ولا تردد في قبول معانيه إذا ما استقرت في النفس وعلمها الإنسان على الحقيقة وزالت موانع القبول؛ فإن هذا معنى وهذا معنى، وكل هذه المعاني مرادة وهي داخلة في معنى الريب، فمن فسره بالشك فسر جانبا من معاني هذه اللفظة، والمعنى الثاني أيضًا من هذه اللفظة، فإذا أردت التفسير على التحقيق؛ اجمع هذه المعاني كلها.
(2) أي: لا يحركه أحد، حاقف يعني: ضُرِب بسهم فصار واقفًا.
(3) يقول: لو جاء أحد يفسر قوله تعالى: (ذلك الكتاب) بمعنى: هذا الكتاب؛ لكان في تفسيره هذا قصور في بيان معنى الآية، نعم هذا التفسير قرب المعنى لكنه لم يؤد المعنى كاملًا، لأنك لو نظرت في كتب التفسير الذين يراعون هذه الألفاظ والتراكيب في الأسلوب القرآني يقولون: (ذلك الكتاب) لماذا استعمل وصف الإشارة للبعيد، والقرآن قريب بين يدي من يقرؤه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقرؤه وهو قريب؟ قالوا: الإشارة إلى بُعده وعلوه وعظمته لما للقرآن من علو وعظمة ينبغي أن تكون في نفوس الناس لأنه كلام الله.
أو على التفسير الإشاري وهو هنا معنى مقبول، أن نقول: لبُعد من تلبس بخلاف تعاليمه عن الوقوف على معانيه لبعده في معانيه.
مثل قوله تعالى: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة:79) ، فإن أهل العلم قالوا: في هذه الآية إشارة إلى أن من لم يُخَلِّص نفسه وداخله عن المعاصي والذنوب فإنه لا يقف على فهم معاني القرآن، فكذا قوله: (ذلك الكتاب) إشارة إلى بعده وعلوه عن أن يبلغ أفهام من تلبس بالذنوب والمعاصي، فاسم الإشارة (ذلك) فيه: إشارة إلى البُعْد، بينما اسم الإشارة (هذا) فيه: إشارة إلى القرب، والحقيقة: أن هذا القرآن بعيد معنويًا في مكانته وفضله، وبعيد عن أن تنال معاني ألفاظه لمن بَعُدَ عن تعاليمه فائتمر بما فيه من الأوامر وانتهى عما فيه من النواهي، فهذا المعنى باسم الإشارة (ذلك) للبعيد ليس موجودًا في اسم الإشارة (هذا) للقريب، فمن فسَّر (ذلك الكتاب) بمعنى: هذا الكتاب، أو هذا القرآن؛ لم يأت بالمعنى المراد بكامله، وإنما قرَّر بعض المعنى.