فهرس الكتاب
{أَنْ تُبْسَلَ} أَيْ تَحْبِسَ وَقَالَ الْآخَرُ: تُرْتَهَنَ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ اخْتِلَافِ التَّضَادِّ وَإِنْ كَانَ الْمَحْبُوسُ قَدْ يَكُونُ مُرْتَهَنًا وَقَدْ لَا يَكُونُ إذْ هَذَا تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنَى كَمَا تَقَدَّمَ [1] .
وَجَمْعُ عِبَارَاتِ السَّلَفِ فِي مِثْلِ هَذَا نَافِعٌ جِدًّا ; فَإِنَّ مَجْمُوعَ عِبَارَاتِهِمْ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ عِبَارَةٍ أَوْ عِبَارَتَيْنِ وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَافٍ مُحَقَّقٍ بَيْنَهُمْ كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ [2] .
وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عَامَّةَ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ عُمُومُ النَّاسِ مِنْ الِاخْتِلَافِ مَعْلُومٌ بَلْ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ كَمَا فِي عَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَمَقَادِيرِ رُكُوعِهَا وَمَوَاقِيتِهَا وَفَرَائِضِ الزَّكَاةِ وَنُصُبِهَا وَتَعْيِينِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالْمَوَاقِيتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ [3] . ثُمَّ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ وَفِي الْمُشَرَّكَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ رَيْبًا فِي جُمْهُورِ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ [4] بَلْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَامَّةُ النَّاسِ هُوَ عَمُودُ النَّسَبِ مِنْ الْآبَاءِ
(1) يمهد المصنف لقاعدة مستفادة من القاعدة الأصلية التي نحن تكلمنا عليها وهي: (الاختلاف الموجود بين السلف هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد) ، فبعد أن بين أن اختلاف التنوع تارة يكون من باب ذِكْر المثال، وتارة يكون من باب التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ متعددة.
وأن هذا الاختلاف قد يكون من باب التعبير عن المشترك اللفظي بمعانيه المتعددة، أو عن التعبير عن المتواطئ اللفظي، أو من التعبير بالمعاني المتقاربة للفظ القرآني. إذا علمت ما سبق، وخاصة في الكلام الأخير: أنه قد يأتي في كلامهم كلامًا يريدون به تقريب معنى اللفظ القرآني، إذا انتبهت لهذا؛ الآن سينبهك على قاعدة.
(2) هذه هي القاعدة نقول: قد يوجد في بعض الآيات أن يأتي معناها في مجموع كلام السلف الوارد فيها لا في بعضه.
بصيغة أخرى: قد يكون معنى الآية في مجموع عبارات السلف الواردة فيها لا في بعضها. لماذا؟ لأن الخلاف الذي حصل بينهم يكون من النوع الأخير الذي هو من باب التعبير عن المعاني التي في الآية بألفاظ متقاربة، أو أن تكون اللفظة التي فيها من قبيل المشترك اللفظي، أو المتواطئ اللفظي إذا استعملنا كلمة (قد) لأنه ليس دائمًا أن كل اختلاف تنوع وارد عنهم هو بهذه المثابة، فيصير الكلام: جمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدًا فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين.
صياغة هذه القاعدة أن نقول: (أنه قد يوجد في تفسير بعض الآيات أن يكون معناها في مجموع عبارات السلف لآ في بعضها، وذلك فيما كان من قبيل المشترك اللفظي أو المتواطئ اللفظي، أو التعبير بألفاظ متقاربة للدلالة على معنى الآية، فاقتصارك على قول من أقوالهم فيه إهدار للمعاني الأخرى) .
فمثلًا: لو فسَّرت (لا ريب) بـ (لا شك) هذا معنى قاصر في تفسير الآية، فيصير تفسير الآية هو مجموع الأقوال المذكورة فيها.
وهذه القاعدة مبنية على حقيقة أن الاختلاف الوارد بينهم هو اختلاف تنوع قد يكون من باب التعبير عن المعنى بألفاظ متقاربة.
فإن قيل: لماذا لا تكون هذه الألفاظ المتقاربة عند أحدهم هي معنى الآية بمفرده؟
نقول: لأنه لا يوجد في القرآن مترادف، فلا يقوم لفظ مقام اللفظ القرآني في جميع معناه، فتجد كل واحد منهم ينبِّه على معنى لفظ الآية.
(3) يعني: أن هناك اختلافًا معلومًا عند العامة والخاصة، خلاف أقره الشرع، فمثلًا: الشارع عدَّد صيغ دعاء الاستفتاح، وعدَّد صيغ التشهد، وأذكار الركوع والسجود، هذه كلها أشياء من باب اختلاف التنوع، وجاء أيضًا في الشرع تعدد صفة صلاة الجنازة بأربع تكبيرات وبخمس وبسبع وبتسع، وهكذا أمور في الشرع يعلمها من تبصر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي ليست من باب التناقض ولكن من باب التوسعة على الناس، ولذلك كانوا يقولون عن السنة: إنها سعة للناس، يعني من عَلِم السنة وعلم وجوه الاختلاف الواردة في الشرع الذي أقرَّه الشرع كان في ذلك توسعة على الناس.
(4) الآن هو يدفع شبهة فهو يقول: لا يظنن ظان أن وجود الاختلاف يوجب الشك، فإن الاختلاف إذا كان من باب التنوع عُرِف وجهه لأنه كله أقرَّه الشرع، أما إذا كان الاختلاف ليس من باب التنوع فهذا مرجعه إلى المجتهدين يجتهدون في هذه الأمور، فالاختلاف من جهة الاجتهاد لا من جهة الشرع وإلا فإن العلماء القول الراجح عندهم: أن الحق واحد لا يتعدد، أيُّ مسألة خلافية اجتهادية اختلف فيها اجتهاد العلماء فإن الحق فيها واحد، هذا الاختلاف الحاصل هو بالنسبة لأفهام واجتهادات العلماء، والدليل على أن الحق واحد قوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) ، فذكر أن من المجتهدين من يصيب ومنهم من يخطئ، ولكن حتى من أخطأ لا يأثم إنما له أجر واحد، طالما أنه اجتهد ولديه آلة الاجتهاد، يعني أنه متأهل لهذا، أما لو اجتهد من لم يبلغ آلة الاجتهاد فهذا مخطئ حتى لو أصاب ويأثم بذلك لأنه لم يملك آلة الاجتهاد.
إذًا الكلام في اختلاف العلماء إذا حصل، واختلاف المجتهدين إذا حصل، فنقول: هذا الاختلاف إذا حصل فمرجعه إلى اجتهاد العلماء في الشرع لا إلى الشرع، فهو لا يوجب شكًا ولا ريبًا في الشرع، فإن اختلاف التناقض والتضاد منتفٍ عن الشرع.
مثال ذلك اختلاف الصحابة، فهم اختلفوا في بعض المسائل، هذه المسائل التي اختلفوا فيها لم توجب شكًا ولا ريبًا فهو من باب اختلاف المجتهدين بحسب نظرهم واجتهادهم لا بحسب الشرع من حيث هو هو.