الصفحة 59 من 94

فَمَتَى سَلِمَ مِنْ الْكَذِبِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَانَ صِدْقًا بِلَا رَيْبٍ [1] . فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ جَاءَ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَاتٍ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُخْبِرَيْنِ لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَى اخْتِلَافِهِ وَعُلِمَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا تَقَعُ الْمُوَافَقَةُ فِيهِ اتِّفَاقًا بِلَا قَصْدٍ عُلِمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ [2] .

مِثْلُ شَخْصٍ يُحَدِّثُ عَنْ وَاقِعَةٍ جَرَتْ وَيَذْكُرُ تَفَاصِيلَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَيَاتِي شَخْصٌ آخَرُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُوَاطِئْ الْأَوَّلَ فَيَذْكُرُ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فَيُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ تِلْكَ الْوَاقِعَةَ حَقٌّ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَذَّبَهَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ يَتَّفِقْ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَاتِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتِلْكَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي تَمْنَعُ الْعَادَةُ اتِّفَاقَ الِاثْنَيْنِ عَلَيْهَا بِلَا مُوَاطَأَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يَنْظِمَ بَيْتًا وَيَنْظِمَ الْآخَرُ مِثْلَهُ أَوْ يَكْذِبَ كِذْبَةً وَيَكْذِبَ الْآخَرُ مِثْلَهَا أَمَّا إذَا أَنْشَأَ قَصِيدَةً طَوِيلَةً ذَاتَ فُنُونٍ

(1) هذه قسمة عقلية؛ يقول: الخبر إما أن يكون صِدقًا مطابقًا للواقع، وإما أن لا يكون.

فإذا لم يكن صدقًا مطابقًا للواقع؛

فإما أن يكون ناقل الخبر تعمد الكذب، وإما أن يكون أخطأ ووهم لضعف الضبط.

فما تعمد فيه الكذب: فهو الموضوع، وما لم يتعمد فيه الكذب، أي: وقع فيه الخطأ والوهم بسبب ضعف الضبط فهذا الذي يسميه العلماء: الضعيف.

فإذا جاءنا خبر يطابق الواقع، ولكن ناقله عُرِف أنه من النوع الثاني الذي يكثر في كلامه الخطأ والوهم، بل قد يكون ناقله ممن عُرف بالكذب، ماذا يكون حال خبره؟

يقول شيخ الإسلام: (متى سَلِم من الخطأ العمد والكذب كان صدقًا بلا ريب) .

لكن هذا الراوي نحن نعرف أنه كذاب، فكيف يَسْلَم من الكذب؟

قال: يَسْلَم من الكذب بأن يُنقَل هذا الخبر بطرق يستحيل تواطؤ أصحابها على الاتفاق على الكذب، إذا نُقِل الحديث بطرق استحال عقلًا أن يتفق أصحابه على الكذب، حتى ولو كانوا هم في أنفسهم أهل كذب؛ فإن خبرهم يُقبَل.

أليس الله عزوجل يقول: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) ، وفي قراءة: (فتثبَّتوا) ! هل ردَّ الله في هذه الآية خبر الفاسق؟

لم يردَّه، والمعنى: خبر الفاسق إذا جاءكم انظروا في القرائن، فإذا دلَّت القرائن على قبول خبره اقبلوه، وإذا دلَّت القرائن على ردِّ خبر رُدُّوه، بخلاف خبر العدل، فالأصل في العدل: أن خبره مقبول، وهذا مفهوم المخالفة في الآية.

إذًا هذه الآية ليس فيها: أن خبر الفاسق مردود، بل فيها: أن خبر الفاسق يتثبَّت فيه، يعني: ينظر في القرائن.

ومن القرائن: أن يأتي الخبر نفسه من طرق متعددة، ولو كانت هذه الطرق عن من هذه صفتهم ولكن بدون مواطأة واتفاق، هذه من القرائن. إذ كيف يُعقَل أناس مختلفين بلا اتفاق وكلًا في جهة وكلًا في مكان وكلًا في بلد لم يلتقوا ولم يتصلوا ببعض، كلهم يأتي ويَنقُل نفس القضية إما بلفظها أو بمعناها، أليست هذه قرينة على صِدقهم، وإن كانوا في الأصل كذابين؟!

إذًا هذه من القرائن التي يتثبَّت فيها، فقد يُقبَل بها خبر الفاسق.

(2) في مثل هذه الحال قال الإمام أحمد بن حنبل (هدي الساري ص363) :"إذا كان في الحديث قصة، دل على أن راويه حفظه"اهـ

هذا الراوي يروي قصةً طويلة وهو صاحب القصة والموضوع، هذا أدعى أن يكون ضبَطَ القصة، أو يكون له علاقة بمن وقعَت له القصة، أو يكون الحديث فيه قصة طويلة فيأتي هذا ويذكرها، ويأتي غيره فيذكرها بلا مواطأة؛ فإن ورود القصة الطويلة مما يُشعِر بالضبط إذا خلَتْ من المواطأة، إذ كيف يتفقوا على القصة الطويلة يدون أن يكون لهذه القصة أصل.

هل معنى هذا أن هذه الطريقة نستعملها مطلقًا أم لها ضابط آخر؟

أقول شيخ الإسلام ذكر في كلامه السابق ضابطين:

الضابط الأول: هو قيام القرائن على عدم الكذب أو الخطأ.

الضابط الثاني: أن يكون الحديث أو الخبر قصة طويلة ذات فنون فيتفقوا على أغلبها أو مجملها.

وسيأتي له ذكر ضابط ثالث: أن مثل هذه الأسانيد تثبت بها هذه الأخبار لكن لا تثبت بها الألفاظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت