الصفحة 60 من 94

عَلَى قَافِيَةٍ وَرَوِيٍّ فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنَّ غَيْرَهُ يُنْشِئُ مِثْلَهَا لَفْظًا وَمَعْنًى مَعَ الطُّولِ الْمُفْرِطِ بَلْ يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ وَكَذَلِكَ إذَا حَدَّثَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ فُنُونٌ وَحَدَّثَ آخَرُ بِمِثْلِهِ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاطَأَهُ عَلَيْهِ أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَوْ يَكُونَ الْحَدِيثُ صِدْقًًا [1] .

وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يُعْلَمُ صِدْقُ عَامَّةِ مَا تَتَعَدَّدُ جِهَاتُهُ الْمُخْتَلِفَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهَا كَافِيًا إمَّا لِإِرْسَالِهِ وَإِمَّا لِضَعْفِ نَاقِلِهِ [2] ؛

لَكِنْ مِثْلُ هَذَا لَا تُضْبَطُ بِهِ الْأَلْفَاظُ وَالدَّقَائِقُ الَّتِي لَا تُعْلَمُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ فَلَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إلَى طَرِيقٍ يَثْبُتُ بِهَا مِثْلُ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَالدَّقَائِقِ؛

(1) يقول: لكن مثل هذا لا نَضْبُط به الألفاظ والدقائق، فلو كان الخبر يتوقف على لفظة حكم أو تقرير قضية؛ فنقول: مادام هذا سبيله لا يثبت به لفظ؛ فإن هذه الطريقة في إثبات الأخبار يثبت بها أصل الحديث أو الخبر أو القضية أو القصة، لكن لا نستطيع أن نُدير حكمًا على اللفظ، وهذه نقطة مهمة جدًا خاصة للفقيه الذي يريد أن يستنبط الأحكام.

وقد جاء في حديث يصح جزء منه ولا يصح الآخر، خذوا مثلًا: حديث (الخَراج بالضمان) [أخرجه أصحاب السنن] ، ورد من طرق وهو ثابت لكن وردت له قصة، القصة الأولى: أن رجلًا اشترى عبدًا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فلما أخذه عنده بعد أيام وجد فيه عيبًا، وكان في خلال هذه الأيام استغله واستفاد منه، فجاء يرده إلى صاحبه بالعيب الذي فيه، فأراد الرجل أن يأخذ أجرة الأيام التي استفادها منه خلال تلك الأيام، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان) .

هذا السبب جاء في رواية من روايات الحديث من طريق ضعيف.

جاء سبب ثانٍ: أن أحد الرواة يقول: كنت أنا وبعض الناس شركاء في عبد، فاستغليت العبد ثم وجدت فيه عيبًا فرددته، فجاء الشركاء ينازعوه في الخراج يريدون منه أجرة تلك الأيام التي اشتغل فيها العبد. هذه القصة في ظاهرها أنها متفقة مع الأولى، لكنها مختلفة لأنها في بعض الروايات الإشارة إلى نوع تصرف في الغصب، فصاروا يستدلون بها في باب الغصب.

نبَّه البلقيني [في محاسن الاصطلاح ص706 - 707، عند كلامه عن أسباب ورود الحديث] : إلى أن ما جاء في الطريق الأول أولى من هذا الطريق ولم يذكر السبب، أقول: لعل السبب في هذا: أن بناء الحكم على سبب هذه القصة وما جاء في لفظها غير صحيح، لعل السبب في ذلك هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أنه: لا يجوز بناء الحكم على ألفاظ جاءت في مثل هذه الطرق، فقال:"وقد جاء في سنن ابي داود أمر آخر يفهم منه تعدي ذلك الغاصب، قال أبوداود [السنن حديث رقم 3509] حدثنا محمود بن خالد، ثنا الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن مخلد بن خُفَاف الغفاري قال: كان بيني وبين أناس شركة في عبد، فاقتويته (معناه: استخدمته) وبعضنا غائب، فأغلَّ عليّ غلة، فخاصمني في نصيبه إلى بعض القضاة فأمرني أن أرد الغلة، فأتيت عروة بن الزبير فحدثته، فأتاه عروة فحدثه عن عائشة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال:"الخراج بالضمان"."

وقد أخذ بهذا العموم جماعة من العلماء من المدنيين والكوفيين، والأخذ بالسبب المرفوع أولى لأمور ليس هذا موضع بسطها"اهـ"

(2) ومثله هذه الأيام أخبار الجرائد، فلو نَقَلت جريدة خبرًا أن في المكان الفلاني حدث كذا، انفردت جريدة بهذا الخبر، هذا الخبر هل تقبله أم تُرُدَّه؟ انظر إلى أصحاب الجريدة إن كان مسلمين وأهل عدالة فالأصل أن خبرَهم مقبول، إما إذا كانوا ليسوا مسلمين، أو مسلمين لكن ليسوا أهل عدالة، يعني: فساقًا، فالأصل أن خبرهم لا يُقبل ولا يُرَد بل يُتوقف فيه، فننظر في القرائن إذا كانت كل الجرائد لم تذكر هذا الخبر، زيادة على ذلك: أن الجرائد الصادرة من نفس البلد التي حصل فيها الخبر لم تذكره زيادة على ذلك ثبت عندنا كلام الجرائد الأخرى على خلاف هذا الخبر، فنقول: إذًا خبر هذه الجريدة مردود، أليس هذا تطبيقًا لنفس القاعدة؟!.

لذلك تسمعون نفس الجرائد تقول: ولم يأتنا الخبر من جهة محايدة، لأن ناقل الخبر إذا كان بين بلدين حرب، وناقله من أحدهما، فناقل الخبر يريد أن يشن حربًا نفسية على الفريق الآخر، فإذا لم يُنقَل من جهة محايدة لا يُقبَل لأنه لا مصلحة للجهة المحايدة في أن تكذب، بينما هذه الجهة لها مصلحة في ذلك، وهذه التهمة تقتضي التوقف في قبول خبرها.

فهذه قضايا عقلية حتى عامة الناس بتأملهم يصلوا إلى هذه النتيجة، هذا الكلام نفسه - هنا - الشيخ يُطَبِّقه، فيقول: إذا جاء الخبر متفق في اللفظ أو في معنى القصة من جهات متعددة بلا اتفاق ولا تواطؤ فهو وإن كان مرسلًا أو كان ضعيفًا أو كان الناقل فاسقًا أو غيره فإن هذا مما يقتضي - ليس فقط صحته - وإنما القطع بصحته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت