فهرس الكتاب
وَهَذَا الْأَصْلُ [1] يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ فَإِنَّهُ أَصْلٌ نَافِعٌ فِي الْجَزْمِ بِكَثِيرِ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ فِي الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي وَمَا يُنْقَلُ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ وَأَفْعَالِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا إذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَجْهَيْنِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَاخُذْهُ عَنْ الْآخَرِ جُزِمَ بِأَنَّهُ حَقٌّ، لَا سِيَّمَا إذَا عُلِمَ أَنَّ نَقَلَتَهُ لَيْسُوا مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ وَإِنَّمَا يُخَافُ عَلَى أَحَدِهِمْ النِّسْيَانُ وَالْغَلَطُ;
فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ الصَّحَابَةَ كَابْنِ مَسْعُودٍ وأبي بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَضْلًا عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُمْ كَمَا يَعْلَمُ الرَّجُلُ مِنْ حَالِ مَنْ جَرَّبَهُ وَخَبَرَهُ خِبْرَةً بَاطِنَةً طَوِيلَةً أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَسْرِقُ أَمْوَالَ النَّاسِ وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَيَشْهَدُ بِالزُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ مِثْلَ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ وَالْأَعْرَجِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَمْثَالِهِمْ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فِي الْحَدِيثِ فَضْلًا عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُمْ مِثْلِ مُحَمَّدِ بْنِ سيرين وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَوْ عُبَيْدَةَ السلماني أَوْ عَلْقَمَةَ أَوْ الْأَسْوَدِ أَوْ نَحْوِهِمْ.
وَإِنَّمَا يُخَافُ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْغَلَطِ; فَإِنَّ الْغَلَطَ وَالنِّسْيَانَ كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ وَمِنْ الْحُفَّاظِ مَنْ قَدْ عَرَفَ النَّاسُ بُعْدَهُ عَنْ ذَلِكَ جِدًّا كَمَا عَرَفُوا حَالَ الشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَعُرْوَةَ وقتادة وَالثَّوْرِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ لَا سِيَّمَا الزُّهْرِيُّ فِي زَمَانِهِ وَالثَّوْرِيُّ فِي زَمَانِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: إنَّ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ لَا يُعْرَفُ لَهُ غَلَطٌ مَعَ كَثْرَةِ حَدِيثِهِ وَسَعَةِ حِفْظِهِ.
و"الْمَقْصُودُ"أَنَّ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ إذَا رُوِيَ مَثَلًا مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ غَلَطًا كَمَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا; فَإِنَّ الْغَلَطَ لَا يَكُونُ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِهَا فَإِذَا رَوَى هَذَا قِصَّةً طَوِيلَةً مُتَنَوِّعَةً وَرَوَاهَا الْآخَرُ مِثْلَمَا رَوَاهَا الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ امْتَنَعَ الْغَلَطُ فِي جَمِيعِهَا كَمَا امْتَنَعَ الْكَذِبُ فِي جَمِيعِهَا مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ [2] ؛
(1) (الدرس الثامن 21/ 8/1423هـ)
الإشارة إلى قوله:"الْحَدِيثُ إذا جَاءَ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَاتٍ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُخْبِرَيْنِ لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَى اخْتِلَافِهِ وَعُلِمَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا تَقَعُ الْمُوَافَقَةُ فِيهِ اتِّفَاقًا بِلَا قَصْدٍ عُلِمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ". قال:"وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يُعْلَمُ صِدْقُ عَامَّةِ مَا تَتَعَدَّدُ جِهَاتُهُ الْمُخْتَلِفَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهَا كَافِيًا إمَّا لِإِرْسَالِهِ وَإِمَّا لِضَعْفِ نَاقِلِهِ"، قال:"لَكِنْ مِثْلُ هَذَا لَا تُضْبَطُ بِهِ الْأَلْفَاظُ وَالدَّقَائِقُ الَّتِي لَا تُعْلَمُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ فَلَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إلَى طَرِيقٍ يَثْبُتُ بِهَا مِثْلُ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَالدَّقَائِقِ"اهـ.
(2) فإن قيل: لم يكن الأئمة يقوون الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه، فهذا حديث التسمية في الوضوء ورد من طريق أبي هريرة، ومن حديث سعيد بن زيد، ومن حديث أبي سعيد، ومن حديث سهل بن سعد، ومن حديث أبي سبرة، ومع ذلك قال أحمد فيه لما سئل عنه [كما في نصب الراية (1/ 4) ] :"أحسن ما فيها حديث كثير بن زيد، و لا أعلم فيها حديثًا ثابتًا، وأرجو أن يجزئه الوضوء؛ لأنه ليس فيه حديث أحكم به"اهـ.
فالجواب: لابد أن تعلم أنه ليس كل ضعيف يتقوى بمجيئه من طرق أخرى، وأن لكل حديث نظر خاص به، وبخصوص كلمة أحمد بن حنبل رحمه الله هذه فقد علق عليها ابن تيمية رحمه الله [كما في شرح العمدة (كتاب الطهارة) (1/ 170 - 171) ، باختصار] بقوله:"وتضعيف أحمد لها محمول على أحد الوجهين:"
إما إنها لا تثبت عنده أولًا لعدم علمه بحال الراوي ثم علمه فبنى عليه مذهبه برواية الوجوب. ...
وهكذا تجئ عنه كثيرا الإشارة إلى انه لم يثبت عنده أحاديث ثم تثبت عنده فيعمل بها، و لا ينعكس هذا، بأن يقال: ثبت عنده ثم زال ثبوتها؛ فان النفي سابق على الإثبات.
وإما أنه أشار إلى أنه لم يثبت على طريقة تصحيح المحدثين؛ فإن الأحاديث تنقسم إلى صحيح وحسن وضعيف، وأشار إلى انه ليس بثابت أي ليس من جنس الصحيح الذي رواه الحافظ الثقة عن مثله، وذلك لا ينفي أن يكون حسنا، وهو حجة.
ومن تأمل كلام الحافظ الإمام علم انه لم يوهن الحديث، وإنما بين مرتبته في الجملة: أنه دون الأحاديث الصحيحة الثابتة. وكذلك قال في موضع آخر: أحسنها حديث أبي سعيد؛ ولو لم يكن فيها حسن لم يقل فيها:"أحسنها".
وهذا معنى احتجاج أحمد بالحديث الضعيف، وقوله:"ربما أخذنا بالحديث الضعيف"، وغير ذلك من كلامه يعني به الحسن"اهـ."
قال ابن حجر (ت852هـ) رحمه الله معلقًا على ما نقل عن الإمام أحمد رحمه الله من نفيه العلم بثبوت حديث في التسمية على الوضوء [كما نقله عنه في تحفة الأبرار بنكت الأذكار للسيوطي ص35] :"لا يلزم من نفي العلم ثبوت العدم، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت ثبوت الضعف، لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحسن، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت عن كل فرد نفيه عن المجموع"اهـ.
فإن قيل: هذا ابن حزم يمنع تقوية الحديث الضعيف بتعدد الطرق فيقول رحمه الله [النبذة الكافية ص34، وانظر الأحكام في أصول الأحكام (1/ 121 - 122) ] :"نقطع بأن كل حديث لم يأت قط إلا مرسلًا أو لم يروه إلا مجهول لا يعرف حاله أحد من أهل العلم أو مجرح متفق على جرحته أو ثابت الجرحه؛ فإنه خبر باطل لم يقله قط رسول الله صلى الله عليه وسلم، و لا حكم به؛ لأن من الممتنع أن يجوز أن لا ترد شريعة حق إلا من هذه الطريق، مع ضمان الله تعالى حفظ الذكر النازل من عنده الذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. ومع ضمانه تعالى[أنه قد بين لنا جميع الدين."
وبهذين البرهانين نقطع على] أنه لم يضع من الدِّين شيء أصلًا و لا يضيع أبدًا، و لا بد أن يكون مع عصر من العلماء من يضبط بأخفى من غيره منهم، و يضبط غيره أيضًا ما خفي عنه، فيبقى الدين محفوظًا إلى يوم القيامة و لا بد، وبالله تعالى التوفيق"اهـ."
فالجواب: هذا القول لم يسبق إليه - فيما أعلم - أحد من أئمة العلم قبل ابن حزم رحم الله الجميع.
وما أطلقه بعضهم من أن المتقدمين لا يقوون الحديث الضعيف بتعدد الطرق، غير مسلم، والواقع أن لهم في كل حديث نظر خاص، فقد يتقوى عندهم حديث ما بتعدد طرقه، وقد لا يتقوى عندهم حديث آخر بتعدد طرقه، لا منعًا للتقوية بتعدد الطرق، ولكن لما قام لديهم من النظر الموجب عدم التقوية في هذا الحديث على خصوصه دون الآخر؛ فإطلاق القول أن المتقدمين ما كانوا يقوون بتعدد الطرق غير مطابق للواقع، وكذا إطلاق القول بأن المتقدمين يقوون بتعدد الطرق مطلقًا بدون مراعاة أن لكل حديث نظره الخاص به، غير مطابق للواقع.
وهذا الإمام الشافعي (ت204هـ) رحمه الله يقوي الحديث الضعيف بغيره كما تراه في [الرسالة ص461 - 465] حيث يقول فيما نقله من حوار دار بينه وبين محاوره:"فقال: فهل تقوم بالحديث المنقطع حجة على من علمه وهل يختلف المنقطع أو هو وغيره سواء؟ قال الشافعي: فقلت له: المنقطع مختلف؛ فمن شاهد أصحاب رسول الله من التابعين فحدث حديثا منقطعا عن النبي اعتبر عليه بأمور: منها أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله بمثل معنى ما روى كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه. وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما يفرد به من ذلك. ويعتبر عليه بأن ينظر هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه رجاله الذين قبل عنهم فإن وجد ذلك كانت دلالة يقوي به مرسله وهي أضعف من الأولى. وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله قولا له فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله. وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي."
قال الشافعي: ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم [يسم] مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه. ويكون إذا شرك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه وجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه. ومتى ما خالف ما وصفت أضر بحديثه حتى لا يسع أحدا منهم قبول مرسله. قال: وإذا وجدت الدلائل بصحة حديث بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله. ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل.
وذلك أن معنى المنقطع مغيب، يحتمل أن يكون حمل عن من يرغب عن الرواية عنه إذا سُمِّى، وأن بعض المنقطعات ـ وإن وافقه مرسل مثله ـ فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحدا، من حيث لو سُمِّى لم يقبل، وأن قول بعض أصحاب النبي ـ إذا قال برأيه لو وافقه ـ يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها، ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب النبي يوافقه ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء. ...."اهـ."
فهذا كلام الشافعي فيه ما يفيد التقوية بتعدد الطرق.
وعن أحمد بن حنبل (ت241هـ) رحمه الله [نقله عنه من رواية ابن القاسم في شرح العلل لابن رجب/العتر/ (1/ 91) ] :"ابن لهيعة ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار و الاستدلال، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني استدل به مع حديث غيره يشدّه لا أنه حجة إذا انفرد".
وقال رحمه الله [الجامع لأخلاق الراوي وأدب السامع (2/ 193، تحت رقم 1583) ] :"ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب اعتبر به، ويقوِّي بعضه بعضًا"اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله، لما ذكر له الفوائد [العلل ومعرفة الرجال عن أحمد بن حنبل رحمه الله (رواية المروذي وغيره) ص163] :"الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبدًا منكر"اهـ.
وفي رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري [مسائل أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (2/ 167) . وقارن بشرح علل الترمذي لابن رجب/ العتر/ (1/ 91) ] :"قيل له (يعني: لأحمد بن حنبل) فهذه الفوائد التي فيها المناكير، ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبدًا منكر. قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يحتاج إليهم في وقت، كأنه لم ير بالكتاب عنهم باسًا"اهـ.
عن أحمد بن أبي يحيى سمعت أحمد بن حنبل يقول [الكامل في ضعفاء الرجال (/266) ] :"أحاديث أفطر الحاجم والمحجوم ولا نكاح إلا بولي أحاديث يشد بعضها بعضا وأنا أذهب إليها".
وهذا الذي ذهب إليه ابن حزم، نص على شذوذه فيه، قال الزركشي (ت794هـ) رحمه الله [نكت الزركشي على كتاب ابن الصلاح (1/ 323) ] :"شذ ابن حزم (ت456هـ) عن الجمهور فقال:"لو بلغت طرق الضعيف ألفًا لا يتقوى و لا يزيد انضمام الضعيف إلى الضعيف إلا ضعفًا"اهـ."