فهرس الكتاب
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَإِنَّ جُمْهُورَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِمَّا يُقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَهُ; لِأَنَّ غَالِبَهُ مِنْ هَذَا النَّحْوِ; وَلِأَنَّهُ قَدْ تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ; فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ كَذِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ; وَالْأُمَّةُ مُصَدِّقَةٌ لَهُ قَابِلَةٌ لَهُ لَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَصْدِيقِ مَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذِبٌ، وَهَذَا إجْمَاعٌ عَلَى الخطأ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ بِدُونِ الْإِجْمَاعِ نُجَوِّزُ الْخَطَأَ أَوْ الْكَذِبَ عَلَى الْخَبَرِ فَهُوَ كَتَجْوِيزِنَا قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي ثَبَتَ بِظَاهِرِ أَوْ قِيَاسٍ ظَنِّيٍّ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي الْبَاطِنِ; بِخِلَافِ مَا اعْتَقَدْنَاهُ، فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى الْحُكْمِ جَزَمْنَا بِأَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.
وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ عَلَى أَنَّ"خَبَرَ الْوَاحِدِ"إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَوْ عَمَلًا بِهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ [1] .
(1) خبر الواحد لا يخلو عن أحوال:
الحال الأول: خبر الواحد إذا احتف بالقرائن الدالة على ثبوته، كأن يخرجه أحد أصحاب الصحيح، أو كأن يجري عليه عمل الأمة، أو نحو ذلك من القرائن؛ فإن جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملًا به فأنه يوجب العلم.
الحال الثاني: خبر الواحد الذي لم يحتف بالقرائن، فهذا جمهور أهل الحديث على أنه إذ صح أوجب العلم والعمل.
فمن نقل عن الجمهور أنهم يرون: أن خبر الواحد لا يوجب العلم، أو أنه يوجب الظن عندهم فقد أخطأ في النقل؛ لأنهم يفصلون في ذلك، كما ترى!
ما ذا يترتب على هذه المسألة؟
أقول: ينبني عليها أن من رد حديثًا من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الثابتة وقد قامت عليه الحجة بثبوته، ولا مانع يمنع من أخذه به، و توفرت الشروط في الحكم على عينه، فإنه يحكم بكفره.
وأما من قال: إن أحاديث الآحاد ظنية الثبوت؛ فإنه لا يكفر من ردها، و أنكرها، لأنها لا توجب غير الظن، فلا يحكم بكفر من ثبت إسلامه بيقين بأمر ظني! فهؤلاء الذين يستهزئون بالأحاديث الصحيحة ويردونها، ويسفهون أهل الحديث لروايتها لا يحكم بكفرهم و لا بزندقتهم، لأن هذه الأحاديث ظنية!!
واعلم أن من أصول أهل البدع: تقرير المسائل على هذا الأساس، فالحديث الآحادي عندهم ظني الثبوت. وهم يفرقون بين أبواب الشرع، فمنه ما لا يثبت إلا بقطعي الثبوت، وهو أبواب العقيدة، ومنه ما يثبت بالقطعي والظني وهو أبواب الأحكام. و يحصرون ما يوجب العلم على التواتر؛ فلا يوجب القطع بالثبوت إلا التواتر، على صفة اختلفوا في تحديدها؛ وعليه فإن من خالف أهل السنة في أبواب العقيدة في مسائل مرجعها إلى أحاديث الآحاد، إنما خالف في ظني، فلا يخرج من أهل السنة والجماعة.، والفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وهذا معنى ما يردده بعض الناس عن ما يسميه (المنهج الأفيح للسنة) .
ومثل هذا التنظير باب أهل البدع والضلالات أعداء السنة، لأن مآله ضياع مذهب أهل السنة، بل سيكون أهل السنة هم محل نقد لأنهم بهذه الصورة سيظهرون بهيئة المتنطع والمتشدِّد، مع أن من تعظيم دين الله الذي جرى عليه السلف: أن خبر الآحاد يوجب العلم، بل صار بعضهم كأن منهجه منهج القرآنيين يقول: لأن القرآن قطعي أما السنة فظنية، وهؤلاء هم الذين حذر منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله فيما أخرجه في كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم (4605) ، والترمذي، في كتاب العلم باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث رسول الله، حديث رقم (2663) ، وابن ماجة، في المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله والتغليظ على من عارضه، حديث رقم (13) ، والحاكم في المستدرك (1/ 108 - 109) ، ولفظ الحديث عند الترمذي بسنده قال:"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَسَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ وَغَيْرِهِ رَفَعَهُ قَالَ لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَاتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ"
والحديث قال عنه الترمذي:"قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ."
وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا وَسَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الِانْفِرَادِ بَيَّنَ حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ وَإِذَا جَمَعَهُمَا رَوَى هَكَذَا وَأَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمُهُ أَسْلَمُ"اهـ، وصحح الشيخ أحمد شاكر الحديث، في تحقيقه للرسالة ص90. وأخرج أبوداود والترمذي وابن ماجه عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ أَلَا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ"؛"
هذا الخبر الذي أخبر به - صلى الله عليه وسلم - نص قاطع في حال هؤلاء.
والمقصود: أن هذا القول يهوِّن السنة في النفوس، فيتجرأ على مخالفتها وردّها، لأن عقل المرء بهذا القول سيتجه - إلا ما شاء الله - إلى أنه لا فائدة من الظنيات، فلا يلبث أن يهجر السنة، ويدعي التمسك بالقرآن، ثم لا يمكث قليلًا حتى يجد أن دلالات القرآن يعتريها الظن؛ فيتجه إلى تحكيم العقل على نصوص الشرع، فما دله عقله على سلامته قبله، وما لا فلا، فيصير صاحب هذا القول عقلانيًا صرفًا، يقدم العقل على النقل، ويحتكم إلى شريعة العقل، لا إلى شريعة النقل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فيقع في الضلال المبين، فقد أخرج الدارقطني في سننه (4/ 245) ، والحاكم في المستدرك (علوش 1/ 284، تحت رقم 324) ، والبيهقي في السنن الكبرى (10/ 114) ، ولفظ الحديث عند الحاكم:"عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض".
قال في مجمع الزوائد (9/ 163) :"رواه البزار وفيه صالح بن موسى الطلحي وهو ضعيف"اهـ.
قلت: في السند عند جميعهم صالح بن موسى، لكن أورد الحاكم والبيهقي في الموضع نفسه عن ابن عباس حديثًا جاء فيه:"يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم"، وهو شاهد صالح. وجاء في الموطأ في كتاب الجامع باب النهي عن القول بالقدر:"عَنْ مَالِك: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ". فالحديث يرتقي إن شاء الله إلى درجة الحسن لغيره."
فمن ترك الاهتداء بكتاب الله تعالى وبسنته - صلى الله عليه وسلم - فقد وقع في الضلال المبين، و لا حول و لا قوة إلا بالله.
ثم اعلموا - بارك الله فيكم - أن تقسيم السنة من حيث الثبوت والدلالة إلى قطعي وظني تقسيم دخيل على أهل السنة والجماعة ما هو من قول السلف، تأمل لو كان الدين يقرر هذا التقسيم لما قامت الحجة على المسلمين في المدينة، ولما قامت الحجة على الناس في فارس والروم، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أوْفَدَ رسله إلى هذه الأماكن أفرادًا لا جماعات، فلو أن حديث الآحاد ظني لما أوجب العلم لهؤلاء، ولوسعهم أن يردوه!!