فهرس الكتاب
وَكَمَا أَنَّ عَلَى الْحَدِيثِ أَدِلَّةً يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ صِدْقٌ وَقَدْ يُقْطَعُ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَدِلَّةٌ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ كَذِبٌ وَيُقْطَعُ بِذَلِكَ [1] ؛
مِثْلُ مَا يُقْطَعُ بِكَذِبِ مَا يَرْوِيهِ الْوَضَّاعُونَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْغُلُوِّ فِي الْفَضَائِلِ:
مِثْلِ حَدِيثِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَأَمْثَالِهِ مِمَّا فِيهِ أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ كَذَا وَكَذَا نَبِيًّا.
وَفِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ مِثْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ الثَّعْلَبِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ والزمخشري فِي فَضَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ [2] .
(1) (الدرس التاسع 28/ 8/1423هـ)
(1) يقول: (وَكَمَا أَنَّ عَلَى الْحَدِيثِ أَدِلَّةً يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ صِدْقٌ وَقَدْ يُقْطَعُ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَدِلَّةٌ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ كَذِبٌ وَيُقْطَعُ بِذَلِكَ) ، هذا تنبيه على قاعدة أخرى في الحديث، العلماء - رحمهم الله - يقولون: الحكم على الحديث لا يتوقف على مجرد السند، إذ هناك علامات وأمارات تدل على كذب الحديث ووضعه.
ولهذا تجدهم يفرقون بين الحكم على السند والحكم على المتن، فإذا جاء في السند راوٍ كذاب أو وضاع، فلك أن تقول: هذا إسناد موضوع، لكن ليس لك أن تقول: هذا حديث موضوع، حتى يجتمع في السند مع الرجل الوضاع في السند علامة من علامات الوضع في المتن، أما مجرد وجود رجل وضاع في السند، أو كذَّاب في السند، لا يبرر لك أن تقول: هذا حديث موضوع، إنما تقول: هذا إسناده موضوع، نبه عليه السخاوي حيث قال في فتح المغيث (1/ 297) :"إن مجرد تفرد الكذاب بل الوضاع - ولو كان بعد الاستقصاء في التفتيش من حافظ متبحر تام الاستقراء - غير مستلزم لذلك (يعني: للحكم بالوضع) بل لابد معه من انضمام شيء مما سيأتي ... يشير إلى ما ذكره في ما يعرف به الوضع (1/ 314) ."
وقد يأتي السند فيه راوٍ ضعيف، أو سند ظاهره الصحة، وتكون لديك أمارات في المتن تجزم فيها بكذب الحديث، فنقول: هذا حديث موضوع، فآل الأمر في الحكم على الحديث بالوضع إلى نقد المتن، من أجل هذا اهتم العلماء - رحمهم الله - بوضع الأمارات التي يستدل بها على وضع الحديث، الأمارات التي يُعرف بها أن الحديث موضوع، أفردها بالذكر ابن قيم الجوزية في كتابه: (المنار المُنيف) ذكر هذه العلامات.
(2) قال ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث ص100، في آخر النوع الحادي والعشرين:"مثال روينا عن أبي عصمة وهو نوح بن أبي مريم أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟"
فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة.
وهكذا حال الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل القرآن سورة فسورة بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لبين عليه.
ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم والله أعلم"اهـ."
وأورد الخطيب في الكفاية (2/ 466) في ذكر المحفوظ عن أئمة أصحاب الحديث في أصح الأسانيد، بسنده من طريق محمود بن غيلان قال: سمعت المؤمل ذكر عنده الحديث الذي يروى عن أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل القرآن فقال: لقد حدثني رجل ثقة سماه قال: حدثني رجل ثقة سماه قال: أتيت المدائن فلقيت الرجل الذي يروي هذا الحديث فقلت له: حدثني فإني أريد أن آتي البصرة فقال: هذا الرجل الذي سمعناه منه هو بواسط في أصحاب القصب قال: فأتيت واسطا فلقيت الشيخ فقلت إني كنت بالمدائن فدلني عليك الشيخ وإني أريد آتي البصرة قال: إن هذا الذي سمعت منه هو بالكلاء فأتيت البصرة فلقيت الشيخ بالكلاء فقلت له: حدثني فإني أريد أن آتي عبادان فقال: إن الشيخ الذي سمعناه منه هو بعبادان فأتيت عبادان فلقيت الشيخ فقلت له: اتق الله ما حال هذا الحديث أتيت المدائن فقصصت عليه ثم واسطا ثم البصرة فدللت عليك وما ظننت إلا إن هؤلاء كلهم قد ماتوا فأخبرني بقصة هذا الحديث فقال: إنا اجتمعنا هنا فرأينا الناس قد رغبوا عن القرآن وزهدوا فيه وأخذوا في هذه الأحاديث فقعدنا فوضعنا لهم هذه الفضائل حتى يرغبوا فيه"اهـ"
قلت: وهذا من جهل هؤلاء، حيث يظنون أن الكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو المحرم، أما الكذب للرسول من أجل نصرته فهو ليس بمحرم، حيث فهموا من قوله - صلى الله عليه وسلم:"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"،. وهذا الفهم باطل، فإن قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث"علي متعمدًا"لا مفهوم مخالفة له، والمقصود أن يتحرى المسلم في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - الصدق، فإنه إذا لم يتحر وأخطأ فهو قد تعمد الكذب عليه، وهذا المعنى دل عليه أمران: الأول: أن الرسول قال في حديث آخر:"من قال عليّ مالم أقل فليتبوأ مقعده من النار"، فألغى كلمة"علي متعمدا"، وأناط الحكم بالتحريم والمقام في النار في مجرد القول عليه - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل. الثاني: أن راوي الحديث أدرى بمرويه، وقد جاء في البخاري عن الزبير أنه امتنع عن التحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خوفًا من الخطأ عليه - صلى الله عليه وسلم -، فلما سئل عن ذلك استدل بحديث"من كذب علي متعمدا".