الصفحة 76 من 94

وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُتَأَخِّرُو الشِّيعَةِ كَالْمُفِيدِ وَأَبِي جَعْفَرٍ الطوسي وَأَمْثَالِهِمَا، وَلِأَبِي جَعْفَرٍ هَذَا تَفْسِيرٌ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ; لَكِنْ يُضَمُّ إلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْإِمَامِيَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرِيَّةَ; فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ وَلَا مَنْ يُنْكِرُ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ.

وَمِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ مَعَ الْخَوَارِجِ إنْفَاذُ الْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ شَفَاعَةً وَلَا يُخْرِجُ مِنْهُمْ أَحَدًا مِنْ النَّارِ [1] .

وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنْ الْمُرْجِئَةِ والكرامية والكلابية وَأَتْبَاعِهِمْ; فَأَحْسَنُوا تَارَةً وَأَسَاءُوا أُخْرَى حَتَّى صَارُوا فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا رَايًا ثُمَّ حَمَلُوا أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُمْ سَلَفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا فِي رَايِهِمْ وَلَا فِي تَفْسِيرِهِمْ.

وَمَا مِنْ تَفْسِيرٍ مِنْ تَفَاسِيرِهِمْ الْبَاطِلَةِ إلَّا وَبُطْلَانُهُ يَظْهَرُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَذَلِكَ مِنْ جِهَتَيْنِ:

تَارَةً مِنْ الْعِلْمِ بِفَسَادِ قَوْلِهِمْ.

وَتَارَةً مِنْ الْعِلْمِ بِفَسَادِ مَا فَسَّرُوا بِهِ الْقُرْآنَ، إمَّا دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِمْ، أَوْ جَوَابًا عَلَى الْمُعَارِضِ لَهُمْ [2] .

(1) المعتزلة يقولون بالمنزلة بين المنزلتين لأهل الكبائر، والخوارج يقولون: أهل الكبائر في النار خالدين مخلدين كالكفار بل هم كفار. والمعتزلة خالفوا الخوارج، وقالوا: أصحاب الكبائر في منزلة بين المنزلتين، ثم مآلهم إلى النار فخالفوهم في الوصف ووافقوهم في الحكم، فإن الأصل الرابع من أصولهم: انفاذ الوعيد، وهو يقتضي أن هؤلاء ينفذ فيهم الوعيد فيكونون في النار، فهم خالفوا الخوارج في الابتداء ووافقوهم في المآل، فهم يقولون: أصحاب الكبائر في منزلة بين المنزلتين، ليس كقول الخوارج ولكن قالوا: بأن مآلهم إلى النار إنفاذًا للوعيد.

والأصل الخامس وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حقيقته عندهم: الأمر بالإنكار على السلطان والحث على الخروج عليه ورفع السيف قال شيخ الإسلام في موضع آخر:"والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يتضمن عندهم جواز الخروج على الأئمة، وقتالهم بالسيف"، فهذا أصل من أصول المعتزلة التي توافق الخوارج، ليس عندهم أمر بالمعروف ونهي عن المنكر مثل أهل السنة بضوابط أهل السنة.

أهل السنة ليس من عقيدتهم الخروج على السلطان المسلم ولو كان فاسقًا جائرًا، حتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلطان ينبغي أن يكون بصورة لا يحصل منها خروج على السلطان ولا ينتج عنها رفع السيف عليه ولا قتل المسلمين وإراقة الدماء وإدخال الناس في فتن ومشاكل، لكن هذا من أصول المعتزلة والخوارج.

(2) (تارة من العلم بفساد قولهم) يعني: أن نعلم أن عقيدتهم هذه باطلة مخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة.

(وتارة من العلم ببطلان استدلالهم) ، يعني: يستدلون بالآية فيحملونها على معنى، والآية لا تتناسب مع هذا المعنى لا من جهة لسياق ولا من جهة السباق. أو يكون عندنا دليل على تفسير الآية يخالف كلامهم؛ فنحن نستدل على البطلان من هاتين الجهتين؛

إما أن نقول: هذا التفسير باطل لأنه يخالف عقيدة أهل السنة بدون النظر في كلامهم من أصله في تفسير الآية.

أو نقول: هذا المعنى الذي حملوا عليه الآية؛ باطل لمخالفته لهذه لمعاني الألفاظ، أو لدلالة السياق أو السباق، ولذلك اشترطنا في قبول التفسير بالرأي هذه الشروط، وقلنا:

الشرط الأول في قبول التفسير بالرأي: أن لا يخالف التفسير بالمأثور مخالفة تضاد.

الشرط الثاني: أن يوافق دلالة اللفظ من حيث اللغة لأن القرآن أنزل بلسان عربي مبين.

الشرط الثالث: أن يناسب السياق والسباق.

الشرط الرابع: أن لا يكون في هذا التفسير بالرأي مخالفة للشرع.

الشرط الخامس: أن لا يكون في هذا التفسير تأسيس بدعة.

ذكرت في أول هذه الدروس هذه الشروط الخمسة، وهذا من المواطن التي أشار فيها شيخ الإسلام إلى معنى هذه الشروط الخمسة التي ذكرناها؛ فقد ذكر في أثناء كلامه وستأتي قضية اللغة ثم ذكر ترتيب التفسير اللغوي أنه يكون بعد عدم وجود الحقيقة الشرعية أو الحقيقة العرفية، ثم ذكر أن هذا التفسير قد يستدل على بطلانه من نفس الآية، يعني من حيث دلالتها، إما من جهة لفظها ومن حيث السياق العام أو سباقها أو لحاقها، هذا من المواطن في كلامه رحمه الله التي تستنبط منها مثل هذه الشروط في قبول التفسير بالرأي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت