الصفحة 75 من 94

وَهَذَا كَالْمُعْتَزِلَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُمْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كَلَامًا وَجِدَالًا، وَقَدْ صَنَّفُوا تَفَاسِيرَ عَلَى أُصُولِ مَذْهَبِهِمْ;

مِثْلِ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كيسان الْأَصَمِّ شَيْخِ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ الَّذِي كَانَ يُنَاظِرُ الشَّافِعِيَّ.

وَمِثْلِ كِتَابِ أَبِي عَلِيٍّ الجبائي.

وَالتَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَد الهمداني.

وَلِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى الرُّمَّانِيِّ.

وَالْكَشَّافِ لِأَبِي الْقَاسِمِ الزمخشري؛

فَهَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ اعْتَقَدُوا مَذَاهِبَ الْمُعْتَزِلَةِ [1] .

وَأُصُولُ الْمُعْتَزِلَةِ خَمْسَةٌ يُسَمُّونَهَا هُمْ: التَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ وَالْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَإِنْفَاذُ الْوَعِيدِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ.

وتَوْحِيدُهُمْ هُوَ تَوْحِيدُ الجهمية الَّذِي مَضْمُونُهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ وَغَيْرُ ذَلِكَ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى، وَإِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْعَالَمِ، وَإِنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ، وَلَا حَيَاةٌ، وَلَا سَمْعٌ، وَلَا بَصَرٌ، وَلَا كَلَامٌ وَلَا مَشِيئَةٌ وَلَا صِفَةٌ مِنْ الصِّفَاتِ.

وَأَمَّا عَدْلُهُمْ فَمِنْ مَضْمُونِهِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَا جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ وَلَا خَلَقَهَا كُلَّهَا وَلَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا كُلِّهَا; بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ لَمْ يَخْلُقْهَا اللَّهُ، لَا خَيْرَهَا وَلَا شَرَّهَا، وَلَمْ يُرِدْ إلَّا مَا أَمَرَ بِهِ شَرْعًا وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ.

(1) وعلى طالب العلم أن يحذر من كتب أهل البدع، وهو لا يخلو من حالتين:

الحال الأول: أن يكون لديه تمييز بين البدعة وغير البدعة، فهذا إن احتاج أن ينظر لا بأس بذلك لأنه يميز لكن لا ينقل من هذه الكتب شيئًا يجده عند أهل السنة، فإن العزو إلى كتب أهل البدع فيه رفع لذكرهم، والمطلوب إخماد ذكرهم حتى لا يغرر بهم عوام أهل السنة ومن في حكمهم.

أما إذا كان طالب العلم لا يميز بين السنة والبدعة يخشى أن يدخل عليه من كلام أهل البدع إذا ما رجع إلى كتبهم فإنه يحرم عليه النظر فيها سدًا للذريعة.

وينبغي لطالب العلم ألا يغتر حتى لو كان لك تمييز فالأفضل لك أن لا تنظر فيها، فإن النظر في كتب أهل البدع قد يجعل الشبه تلبس قلبك، وتدخل في فؤادك وأنت لا تشعر؛ ولذلك جاء عن بعض السلف قوله:"فِرَّ من صاحب البدعة فرارك من المجذوم، نخشى أن يُجْرِبَك فينتقل لك جربه ومرضه".

وكان أحمد بن حنبل إذا احتاج في رواية الحديث إلى رواية شيخ من أهل البدع وهو يعاصره سمعها من رجل عنه ولم يسمعها منه مباشرة إذا احتاج إليها ولا توجد عند غيره، لا يريد الرواية عنه مباشرة لأن فيها نوع إعلاء لذكر هذا الرجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت