فهرس الكتاب
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ لَمَّا أُصِيبَ بِحَمْزَةِ. وَمِمَّا يُقَارِبُ هَذَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ [1] مَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِين بِالْأَسْحَارِ} أَنَّ الصَّابِرِينَ رَسُولُ اللَّهِ وَالصَّادِقِينَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَانِتِينَ عُمَرُ وَالْمُنْفِقِينَ عُثْمَانُ وَالْمُسْتَغْفِرِين عَلِيٌّ.
وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} أَبُو بَكْرٍ {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} عُمَرُ {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} عُثْمَانُ {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} عَلِيٌّ [2] .
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: {وَالتِّينِ} أَبُو بَكْرٍ {وَالزَّيْتُونَ} عُمَرُ {وَطُورِ سِينِينَ} عُثْمَانُ {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} عَلِيٌّ.
وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ [3] الَّتِي تَتَضَمَّنُ؛
تَارَةً تَفْسِيرَ اللَّفْظِ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَالِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَدُلُّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} كُلُّ ذَلِكَ نَعْتٌ لِلَّذِينَ مَعَهُ وَهِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النُّحَاةُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهَا كُلَّهَا صِفَاتٌ لِمَوْصُوفِ وَاحِدٍ وَهُمْ الَّذِينَ مَعَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا مُرَادًا بِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ!
وَتَتَضَمَّنُ تَارَةً جَعْلَ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ الْعَامِّ مُنْحَصِرًا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ: إنَّ قَوْلَهُ: {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} أُرِيدَ بِهَا عَلِيٌّ وَحْدَهُ.
وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أَنَّ قَوْلَهُ: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} أُرِيدَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ.
وَقَوْلِهِ: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} أُرِيدَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ.
وَنَحْوِ ذَلِكَ [4] .
و تَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ وَأَمْثَالِهِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَسْلَمُ مِنْ الْبِدْعَةِ مِنْ تَفْسِيرِ الزمخشري، وَلَوْ ذُكِرَ
(1) هذه كلها تفاسير مبنية على الاستدلال، وهي باطلة، منها ما يُعلم بطلانه من جهة بطلان العقيدة نفسها التي يحملونها عليها، ومنها ما يُعلم بطلانه من جهة اللفظ.
هذه النماذج التي أوردها، كلها يُعلم بطلانها من الجهتين، من جهة بطلانها عقيدةً، من جهة بطلانها لفظًا، أي عربي يقرأ الآية؛ يفهم أن هذا ليس تفسيرها، هذا ليس بصحيح، هذا حال أهل البدع، أما سمعتم كلام العلماء: أن أهل البدع يلوون أعناق النصوص لتوافق معتقدهم؟! هذه الآن أمثلة من تفاسيرهم.
(2) وهم جاءوا وفرقوها، فجعلوا (أشداء على الكفار) لرجل من الصحابة، بينما هي كلها أخبار معطوف بعضها على بعض تعود على (الذين معه) يعني: الصحابة كلهم.
(3) يقولون خرافة رجل من العرب خطفته الجن اسمه خرافه، فلما عاد بعد غيبته عندهم سنين صار يخبر عما شاهد من تهاويل وأمور لم يقبلها أحد ممن سمعه، فصار الناس إذا سمعوا كلامًا لا يصدقونه قالوا: حديث خرافة، أي كحديثه الذي لا يقبله عقل، و لا يصدق.
(4) بعد أن تكلم عن القاعدة في الاختلاف الذي مستنده الاستدلال، أورد مجموعة من المفسرين ممن يغلب على تفسيرهم الاستدلال ويبين حالهم، كما صنع في التفاسير التي مستندها النقل.