فهرس الكتاب
كَلَامُ السَّلَفِ الْمَوْجُودُ فِي التَّفَاسِيرِ الْمَاثُورَةِ عَنْهُمْ عَلَى وَجْهِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ [1] فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَنْقُلُ مِنْ تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطبري وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ التَّفَاسِيرِ وَأَعْظَمِهَا قَدْرًا، ثُمَّ إنَّهُ يَدَعُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ السَّلَفِ لَا يَحْكِيهِ بِحَالِ، وَيَذْكُرُ مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِمْ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ قَرَّرُوا أُصُولَهُمْ بِطُرُقِ مِنْ جِنْسِ مَا قَرَّرَتْ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ أُصُولَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ إلَى السُّنَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ; لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَيَعْرِفَ أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ التَّفْسِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛
فَإِنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةَ إذَا كَانَ لَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ قَوْلٌ وَجَاءَ قَوْمٌ فَسَّرُوا الْآيَةَ بِقَوْلِ آخَرَ لِأَجْلِ مَذْهَبٍ اعْتَقَدُوهُ، وَذَلِكَ الْمَذْهَبُ لَيْسَ مِنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ، صَارُوا مُشَارِكِينَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي مِثْلِ هَذَا.
و فِي الْجُمْلَةِ مَنْ عَدَلَ عَنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَفْسِيرِهِمْ إلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ بَلْ مُبْتَدِعًا وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُهُ [2] .
(1) فالخلل الذي حصل في تفسير ابن عطية أنه لم يراعِ عدم مخالفة التفسير بالمأثور، فدخل في تفسيره القصور من هذه الناحية، وقصرت معرفته في هذا الباب فحصلت فيه أقوال تخالف المأثور وهو لا يشعر، وحصلت عنده نقول عن أهل البدع تقرر كلام أهل البدع وهو لا يشعر.
(2) ومن هنا كان من أهم شروط قبول بالتفسير بالرأي: أن لا يخالف التفسير بالمأثور مخالفة تضاد.
وهنا تأتي المسألة الأصولية: إذا اختلف الصحابة في الآية أو في الحديث على أقوال هل يجوز لمن بعدهم إحداث قول خارج عن أقوالهم؟
الصحيح: أنه لا يجوز، قال العلماء: لأن اختلافهم على هذه الأقوال في تفسير الآية أو تفسير الحديث؛ دليل أن الآية أو الحديث لا يحتمل شيئًا من المعنى إلا ذلك، فهذا كالإجماع منهم على أن الآية أو الحديث لا تحتمل من المعنى إلا هذا. ولذلك قال العلماء - صحت عن أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة: أنه إذا اختلف الصحابة في المسألة: نتخير من أقوالهم، فننظر أيها أقرب إلى الدليل فنتبعه إن ظهر الدليل، فإن لم يظهر؛ نتخير من هذه الأقوال، ولم يقل أحد بإحداث قول جديد لم يقله الصحابة، لم يقل أحد أنه يفتح لي معنى جديد يخالف ما قاله الصحابة.
وفي أخبار أبي حنيفة للصيمري ص10، وإيقاظ همم أولي الأبصار ص70، قال ابن المبارك رحمه الله: سمعت أبا حنيفة [رضي الله عنه] يقول:"إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نختار من أقوالهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم"اهـ.
وفي ترتيب المدارك (1/ 193) ، قال مالك - وقد ذكر له كتابه الموطأ:"فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الصحابة والتابعين ورأيهم. وقد تكلمت برأيي على الاجتهاد، وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا ولم أخرج عن جملتهم إلى غيره"اهـ.
وفي المدخل إلى السنن للبيهقي ص110، قال الشافعي رحمه الله:"العلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة؛ إذا ثبتت السنة. ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب و لا سنة. والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم و لا نعلم له مخالفًا منهم. والرابعة: اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. والخامسة: القياس على بعض هذه الطبقات. ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان وإنما يؤخذ العلم من أعلى".
وفي المسودة ص276، قال أحمد بن محمد بن حنبل:"إذا كان في المسألة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث؛ لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة و لا من بعدهم خلافه. وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم نخرج عن أقاويلهم إلى قول غيرهم. وإذا لم يكن فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم، و لا عن الصحابة قول؛ نختار من أقوال التابعين ...".
هذا كلام الأئمة لم يكونوا يخرجون عن كلام الصحابة، لكن أن تُحدِث قولًا هو في معنى كلامهم في معنى عباراتهم في المعنى الذي يدور عليه لا يخالفه مخالفة تضاد؛ فهذا في الحقيقة ليس بقول محدَث، إنما هو في معنى الكلام الذي قالوه فلا بأس فيه، أما إذا خالف كلامهم مخالفة تضاد فهو قول باطل مردود على صاحبه، وهذا يفيدكم مدى خطورة وأهمية أن يعتمد المفسر على التفسير بالمأثور، وليس لأحد أن يفسر من عند نفسه، أو من حيث اللغة، لا بد أن تذكر أولًا التفسير بالمأثور، وميِّزه وحرره، ثم اجتهد إذا أردت أن تجتهد في دائرة المعاني التي قررها. (أ. هـ الدرس العاشر) .