فهرس الكتاب
فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ طُرُقِ الْعِلْمِ وَأَدِلَّتِهِ وَطُرُقِ الصَّوَابِ.
وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْقُرْآنَ قَرَأَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَتَابِعُوهُمْ وَأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِهِ وَمَعَانِيهِ.
كَمَا أَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم؛
فَمَنْ خَالَفَ قَوْلَهُمْ وَفَسَّرَ الْقُرْآنَ بِخِلَافِ تَفْسِيرِهِمْ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ جَمِيعًا [1] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ قَوْلَهُمْ لَهُ شُبْهَةٌ يَذْكُرُهَا إمَّا عَقْلِيَّةٌ وَإِمَّا سَمْعِيَّةٌ [2] .
كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
والْمَقْصُودُ هُنَا: التَّنْبِيهُ عَلَى مَثَارِ الِاخْتِلَافِ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِهِ الْبِدَعَ الْبَاطِلَةَ الَّتِي دَعَتْ أَهْلَهَا إلَى أَنْ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَفَسَّرُوا كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بِغَيْرِ مَا أُرِيدَ بِهِ وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَاوِيلِهِ [3] .
(1) (الدرس الحادي عشر 25/ 10/1423هـ)
(1) قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (13/ 243) :"من فسّر القرآن أو الحديث وتأوّله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرِّف للكلم عن مواضعه. وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام"اهـ.
فليس لأحد أن يتأوّل الآية أو الحديث على معنى يخالف مخالفة تضاد المعنى الذي فسّره به صحابة الرسول رضوان الله عليهم.
ومن أجل هذا الأصل (وهو فهم القرآن العظيم والسنة النبوية على ضوء فهم الصحابة رضوان الله عليهم) ، ترى أهل السنة والجماعة، أهل الحديث، لا يخوضون في تفسير القرآن العظيم، وبيان معاني الحديث بمجرد اللغة، والرأي والمعقول؛ بل ينظرون في الآثار، ويجمعون ما جاء عن السلف في مصنفاتهم، ويبنون عليه فقههم واجتهادهم. وعلى خلافهم أهل البدع والأهواء!
قال ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان ص114:"وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل (يعني: الإيمان) ، عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم، وعلى ما تأوّلوه بفهمهم اللغة، وهذه طريقة أهل البدع؛ ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطيء الناس من جهة التأويل والقياس؛ ولهذا نجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم، ومعقولهم، وما تأوّلوه من اللغة؛ ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون لا على السنة، و لا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة؛ ونجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة، والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب، وكتب الكلام التي وضعها رؤوسهم. وهذه طريقة الملاحدة أيضًا، إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة وكتب الأدب واللغة، وأمّا كتب القرآن والحديث والآثار؛ فلا يلتفتون إليها."
هؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء إذ هي عندهم لا تفيد العلم.
وأولئك يتأوّلون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقد ذكرنا كلام أحمد وغيره في إنكار هذا وجعله طريقة أهل البدع"اهـ."
قلت: أورد في مجموع الفتاوى (21/ 291) ، وأسند ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص178، عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال:"إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام".
(2) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قاعدة في أن جميع ما يحتج به المبطل يدل على فساد قوله، لا قوته، انظرها في مجموع الفتاوى (6/ 288 - 339) .
(3) نعم! المقصود في هذه القاعدة: التنبيه على مثارات الاختلاف، ومثارات الاختلاف في التفسير الذي يعود إلى النقل هي: الأسانيد الضعيفة أو الباطلة، أو تكلف بيان ما لا فائدة في بيانه من خلال الإسرائيليات وكتب أهل الكتاب.
أما التفسير الذي مستنده الاستدلال فمثار الاختلاف فيه: من جهة أن يَطلب أصحاب البدع دليلًا على بدعهم من القرآن والسنة، فيحملوا النصوص ويلووا أعناقها إلى المعنى الذي يريدون، ومن هنا قال أهل العلم: من قواعد البحث أن تستدل وتبحث ثم تعتقد، لا تعتقد أولًا ثم تستدل، لأنك في هذه الحال سوف تبحث في النصوص عما يدل لقولك وسيكون الهوى غِطاءً يُعمي بصيرتك عن أن تتبصر الحق - إن شاء الله تعالى -، فيأتي نص تتكلف فيه، ويأتي آخر فترده، ويأتي نص آخر ما تنتبه له، فقط تريد أن تقرر ما تعتقد، وهذا خطأ، ابحث ونقي واستدل ثم اعتقد. أو أن يفسروا القرآن بمجرد ما يسوغ لغة بدون ملاحظة اتباع ما جاء في التفسير المنقول (التفسير بالمأثور) .