الصفحة 82 من 94

فَمِنْ أُصُولِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ:

أَنْ يَعْلَمَ الْإِنْسَانُ الْقَوْلَ الَّذِي خَالَفُوهُ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ.

وَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ تَفْسِيرَ السَّلَفِ يُخَالِفُ تَفْسِيرَهُمْ.

وَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ تَفْسِيرَهُمْ مُحْدَثٌ مُبْتَدَعٌ [1] .

ثُمَّ أَنْ يَعْرِفَ بِالطُّرُقِ الْمُفَصَّلَةِ فَسَادَ تَفْسِيرِهِمْ بِمَا نَصَبَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى بَيَانِ الْحَقِّ [2] .

وَكَذَلِكَ وَقَعَ مِنْ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَتَفْسِيرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ جِنْسِ مَا وَقَعَ فِيمَا صَنَّفُوهُ مِنْ شَرْحِ الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرِهِ [3] .

وَأَمَّا الَّذِينَ يُخْطِئُونَ فِي الدَّلِيلِ لَا فِي الْمَدْلُولِ؛

فَمِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ وَالْوُعَّاظِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِمَعَانٍ صَحِيحَةٍ; لَكِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا [4] ؛

(1) هذه أول قضية: أن تعرف القول الباطل وتعرف ما يقابله، ولذلك كان من آلة المفسر: المعرفة باختلاف الناس من جهة عقائدهم، ومن آلته المعرفة بمقالات أهل السنة وما يقابلها، ومن آلته المعرفة بمناهج المفسرين.

(2) والأدلة التي نَصَبَها الله على بيان الحق؛ منها ما يكون في نفس النص، ومنها ما يكون في خارجه، فيُعرف هذه ويُعرف هذا.

(3) تقدم أن كل ما يقال في القرآن العظيم يقال مثله في الحديث، وإذا كان المفسرون يقع في كلام بعضهم نصرة أهل البدع، والخروج عن كلام السلف، فكذا الحال في شرح الحديث؛ فإن شرحه إذا كان مستنده الاستدلال يرد فيه الخطأ من نفس الجهتين التين ذكرهما المصنف في حق التفسير، وشرحه إذا كان مستنده النقل فإنه يقع فيه الخطأ من نفس الجهة التي يقع فيها الخطأ في التفسير الذي مستنده النقل. والشارح للحديث يحتاج إلى معرفة مقالات أهل السنة والجماعة وما يخالفها، ويحتاج إلى المعرفة بمناهج شراح الحديث واتجاهاتهم، والمعرفة بمقالات السلف الشارحة للحديث.

(4) القسمة ثلاثية؛

فمنهم من يفسر القرآن بمعان باطلة وبالتالي طريقة الاستدلال باطلة. وهذه سبق قبل قليل التنبيه على مثار الغلط عندهم.

ومنهم من يفسر القرآن بمعان صحيحة ولكن استدلالهم لها بالقرآن خطأ. وهذا القسم هو موضوع الكلام هنا. وهو جمهور ما يسمى بالتفسير الصوفي والإشاري.

ومنهم من يفسر بمعان صحيحة واستدلال صحيح على سبيل القياس والاعتبار. فهذا تفسير مقبول، وهو ليس موضوع الكلام هنا أصلا؛ لأن الكلام على محل الخطأ في التفسير، ولذا لم يذكر الشيخ هذا القسم هنا.

وللمصنف كلام بسط فيه هذه المعاني، يصلح شرحًا لكلامه هنا، حيث قال في مجموع الفتاوى (13/ 240 - 243) :"وجماع القول في ذلك أن هذا الباب نوعان:"

أحدهما: أن يكون المعنى المذكور باطلا لكونه مخالفا لما علم فهذا هو في نفسه باطل فلا يكون الدليل عليه إلا باطلا؛ لأن الباطل لا يكون عليه دليل يقتضى أنه حق.

والثاني: ما كان في نفسه حقا لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك فهذا الذي يسمونه:"إشارات".

و"حقائق التفسير"لأبى عبدالرحمن [السلمي] فيه من هذا الباب شيء كثير.

وأما النوع الأول فيوجد كثيرا في كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين للمسلمين في أصول دينهم؛

فإن من علم أن السابقين الأولين قد رضي الله عنهم ورضوا عنه؛ علم أن كل ما يذكرونه على خلاف ذلك فهو باطل.

ومن أقر بوجوب الصلوات الخمس على كل أحد ما دام عقله حاضرا؛ علم أن من تأول نصا على سقوط ذلك عن بعضهم، فقد افترى.

ومن علم أن الخمر والفواحش محرمة على كل أحد ما دام عقله حاضرا؛ علم أن من تأول نصا يقتضى تحليل ذلك لبعض الناس أنه مفتر.

وأما النوع الثاني فهو الذي يشتبه كثيرا على بعض الناس، فإن المعنى يكون صحيحا لدلالة الكتاب والسنة عليه، ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دل عليه، وهذان قسمان:

أحدهما: أن يقال إن ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء على الله؛

فمن قال المراد بقوله: {تذبحوا بقرة} هى النفس. وبقوله: {اذهب إلى فرعون} هو القلب. {والذين معه} أبو بكر {أشداء على الكفار} عمر {رحماء بينهم} عثمان {تراهم ركعا سجدا} علي؛ فقد كذب على الله إما متعمدا وإما مخطئا.

و القسم الثاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللفظ فهذا من نوع القياس؛ فالذي تسميه الفقهاء قياسا هو الذي تسميه الصوفية إشارة. وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك؛

فمن سمع قول الله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} وقال: إنه اللوح المحفوظ أو المصحف، فقال كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهى قلوب المتقين؛ كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا؛ ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف؛ قال تعالى: {ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} وقال: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} ، وقال: {يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} ، وأمثال ذلك.

وكذلك من قال:"لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا جنب"، فاعتبر بذلك أن القلب لا يدخله حقائق الإيمان إذا كان فيه ما ينجسه من الكبر والحسد؛ فقد أصاب، قال تعالى: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} ، وقال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} ، وأمثال ذلك.

و كتاب"حقائق التفسير"لأبى عبدالرحمن السلمي يتضمن ثلاثة أنواع:

أحدها: نقول ضعيفة عمن نقلت عنه مثل أكثر ما نقله عن جعفر الصادق فإن أكثره باطل عنه، وعامتها فيه من موقوف أبى عبدالرحمن.

وقد تكلم أهل المعرفة في نفس رواية أبي عبدالرحمن حتى كان البيهقي إذا حدث عنه يقول:"حدثنا من أصل سماعه".

والثاني: أن يكون المنقول صحيحا لكن الناقل أخطأ فيما قال.

والثالث: نقول صحيحة عن قائل مصيب، فكل معنى يخالف الكتاب والسنة فهو باطل وحجته داحضة، وكل ما وافق الكتاب والسنة والمراد بالخطاب غيره إذا فسر به الخطاب فهو خطأ.

وإن ذكر على سبيل الإشارة والاعتبار والقياس فقد يكون حقا وقد يكون باطلا.

وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام"اهـ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت