الصفحة 84 من 94

فَصْلٌ

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَحْسَنُ طُرُقِ التَّفْسِيرِ؟

فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ:

أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ، فَمَا أُجْمِلَ فِي مَكَانٍ فَإِنَّهُ قَدْ فُسِّرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَا اُخْتُصِرَ مِنْ مَكَانٍ فَقَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [1] ..

فَإِنْ أَعْيَاك ذَلِكَ فَعَلَيْك بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُوَضِّحَةٌ لَهُ [2] ؛ ; بَلْ قَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنْ الْقُرْآنِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ

(1) يطلق الإجمال على معنيين بينهما تداخل:

1 -المعنى الأول: المجمل من الكلام هو الذي لم يَبِنْ، فلم يظهر معناه.

2 -المعنى الثاني: أن تأتي الآية ظاهرة على معنى، ولكن هذا المعنى الظاهر ليس هو المراد، ولا يعرف المراد منها إلا بحمل هذه الآية على آية أخرى، مثل: الذي حصل في آية: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82) ، فهم الصحابة الآية على ظاهرها، فقالوا: عموم (ظلم) ، يدخل في سياق هذه الآية، لأنه نكرة في سياق النفي فيشمل كل (ظلم) ، ففهموا الآية على ظاهرها، ففزعوا، وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟! فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله! أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فأرشدهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حمل هذه الآية على الآية الأخرى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: من الآية13) ، فهذه الآية الأولى لها معنى ظاهر ومراد، ولكنه غير مراد إلا بحمله على الموطن الثاني، فمعنى الظلم في الآية الأولى مجمل، لأن الظاهر منه غير مراد.

وحمل الكلام المجمل على المبين محله في كلام المعصوم، لأنه معصوم عن الخطأ.

وغير المعصوم لا يحمل كلامه المجمل على المفسر إنما يقال في الموضع المجمل إذا كان إجماله من المعنى الأول: هذا كلام مجمل لا يظهر معناه، و لا يقبل، و لا يبن عليه. أمّا إذا كان من المعنى الثاني، فإنه يحكم ببطلان الموضع المجمل، وأنه غير صحيح، فإن كان لصاحب هذا الكلام كلام آخر على الصواب، قبل صوابه ورُدّ الخطأ، ولا يلزم حمل مجمله على مبينه.

فمن خرج عن هذا السبيل وطالب بحمل مجمل كلامه على مفصله فقد جعل لنفسه من الحكم ما للمعصوم!!

(2) هل معنى هذا التقسيم أن يستقلَّ تفسير القرآن بالقرآن عن تفسير القرآن بالسنة؟

الجواب: لا، ليس المراد هنا أن يستقلَّ تفسير القرآن بالقرآن عن تفسير القرآن بالسنة، وإنما المراد التقسيم والترتيب للفهم وتقريب المعنى، لا يَصلح أن نقول: نكتفي بتفسير القرآن بالقرآن ونترك السنة؛ فمن زعم أن يفسر القرآن بالقرآن مجردًا بدون السنة؛ فقد أخطأ. ثم تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنة في مواطن قد يكون من باب التفسير بالمأثور المجرد، وفي مواطن قد يدخله اجتهاد؛

ففي مواطن يكون من باب التفسير المجرد، مجرد أنه يورد آية وآية أخرى تفسرها فقط، والمعنى واضح، لكن في مواطن ثانية يكون إيراد المفسِّر للآية والآية الأخرى التي تفسرها فيه إشارة إلى معنى استدلالي في الآية الأخرى يوضح الآية، فلا يُوصَل إلى المعنى إلا بنوع اجتهاد واستنباط، وقد يوافَق على هذا وقد لا يوافَق على هذا.

فليس معنى تفسير القرآن بالقرآن، أن نستقل بتفسير القرآن بالقرآن، إنما معنى هذا بيان للمراتب فقط، وإلا لا يمكن تفسير القرآن بالقرآن تفسيرًا كاملًا صحيحًا فقط بمجرد تفسير القرآن بالقرآن.

وكذا في تفسير القرآن بالسنة، ليس معناه بالسنة دون القرآن، هذه نفس القضية؛ ولذلك الذي يقولون بالتفسير الموضوعي - وهو نوع من أنواع التفسير حيث يأخذ المفسر موضوعًا من موضوعات القرآن ويجمع الآيات المتعلقة به ويفسرها - من قال بهذا النوع وجرَّده فقط للقرآن بالقرآن فقد أخطأ. فإن تفسير القرآن بالقرآن دون السنة غير صحيح، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت